من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦١ - عباد الرحمن بين السلوك والتطلعات
وطمعا في البصيرة، متأملين في شؤون الحياة على ضوئها، عاكفين على استنباط الأنظمة والتشريعات الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، والتربوية وغيرها منها، علما منهم بأن من أنزل الآيات هو الذي خلق الحياة، وسن فيها القوانين والأنظمة.
يبدو أن ترك اللغو يوفر لهم وقتاً كبيراً. يملؤونه بالنشاط الفكري الرشيد. جاء في دعاء مكارم الأخلاق
«اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي رُوعِي مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّظَنِّي وَالْحَسَدِ، ذِكْراً لِعَظَمَتِكَ، وَتَفَكُّراً فِي قُدْرَتِكَ، وَتَدْبِيراً عَلَى عَدُوِّكَ، وَمَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ لَفْظَةِ فُحْشٍ أَوْ هُجْرٍ أَوْ شَتْمِ عِرْضٍ أَوْ شَهَادَةِ بَاطِلٍ أَوِ اغْتِيَابِ مُؤْمِنٍ غَائِبٍ أَوْ سَبِّ حَاضِرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نُطْقاً بِالْحَمْدِ لَكَ، وَإِغْرَاقاً فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَذَهَاباً فِي تَمْجِيدِكَ، وَشُكْراً لِنِعْمَتِكَ، وَاعْتِرَافاً بِإِحْسَانِكَ، وَإِحْصَاءً لِمِنَنِكَ» [١].
وروى أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام: في تفسير الآية هذه قال
«مُسْتَبْصِرِينَ لَيْسُوا بِشُكَّاكٍ» [٢].
ولكن أين المسلمون الآن من هؤلاء؟!.
فلو تطلعنا إلى واقع الأمة الإسلامية لرأينا أكثر المسلمين ممن يخرون على آيات الله صما وعميانا، يرتلونها مبدعين، ولكنهم لا يفقهون معانيها ولا يدركون مدلولاتها، بل لا يتدبرون فيها ليطبقوها على سلوكهم، ومن ثم على مجتمعهم.
٤- الطموح الكبير
[٧٤] وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً إن العلاقة بين طلب الأزواج والذرية الصالحة، وبين طلب الإمامة والقيادة لدى عباد الرحمن، تتجلى في طموحهم نحو امتداد رسالتهم في ذريتهم وأيضاً في من يلتقون بهم من الناس، فيصبحون قدوة للمتقين، و المتقون- بدورهم- طليعة المجتمع، فهم يطمحون أن يكونوا قدوة الطليعة وليس الطليعة فحسب.
وتدل الآية الكريمة على ما يحملون من روحية التنافس على الخير، ففي المجتمع الرحماني يتطلع الكل لأن يصبح أفضل في مجال الخير والعمل.
[١] الصحيفة السجادية: دعاء مكارم الأخلاق.
[٢] الكافي: ج ٨ ص ١٧٨.