من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٢ - بصائر للناس وهدى ورحمة
القصة لم تكن واضحة عند أهل الكتاب أيضا، أو كانت مثار جدل عظيم سواء في تفاصيل ما حدث أو في تفسيرها.
[٤٥] ثم تبين الآية ما يبدو أنه إشارة إلى الدورات الحضارية، حيث إن من عادة البشر نسيان رسالات ربهم بعد تطاول القرون، مما يجعلهم محتاجين إلى بعث جديد برسالة إلهية.
وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ لقد بقيت البشرية تلفها الظلمات قرونا بعد قرون قبل ميلاد الرسالة، حيث بدأت الهوة بين الناس ورسالة موسى عليه السلام تتسع شيئا فشيئا، حتى نبذوه وراء ظهورهم، وعشعش الجهل في أوساطهم، لذا كانوا بحاجة إلى رسالة جديدة، تبعث فيهم الوعي وتوقظ الضمير.
وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا إلا إن عدم وجودك لا يعني أنهم لم تصل إليهم الحجة، فالحياة قائمة على هذه السنة الإلهية.
وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ لقد أرسلنا إليهم شعيبا، كما أرسلنا رسولا إلى العرب.
[٤٦] وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لعل هذه الآية تؤكد على وحدة الرسالات الإلهية من خلال وحدة أهدافها، و بالتالي فإن الإيمان برسالة موسى يستلزم الإيمان برسالة الإسلام، وإذ يربط السياق القرآني بين هاتين الرسالتين فذلك لأسباب منها
١- أنهما تشكلان خطا واحدا في الرسالات الأخيرة للحياة، ورسالة عيسى عليه السلام إنما كانت امتدادا لرسالة موسى، وكان هدفه تصحيح مسيرة الناس بعده، وليست هي جديدة بحد ذاتها.
٢- لتشابه تفاصيل الرسالتين، وأن تلك الرسالة كونت أمة في حياة نبيها، كما صنعت رسالة الإسلام أمة أيضا.
وللرسالة هدفان أساسيان
الأول: هداية الناس، عن طريق التذكرة، قال تعالى لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، فكما بعث الله موسى رحمة، كذلك يبعث محمد صلى الله عليه واله رحمة، وفي الآية حجة على أولئك الذين آمنوا برسالات الله السابقة، وكفروا بالرسالة الخاتمة مع وحدة الملاك، فكما أن تلك جاءت رحمة من الله كذلك هذه، فلماذا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟!.