من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٦ - وما أنا بطارد المؤمنين
لأن الرسل كانوا بحق المحرك الأساسي للبشرية، وإلا فإن البشرية كانت تسير بشكل طبيعي نحو النهاية.
ومن الصعب على بشر عادي، أن يربي جيلا كاملا، ويرفعه إلى سماء القيم، لأن ذلك يستوجب أن يبث فيهم وعيا وثقافة وروحا إيمانيا يستحيل على البشر العادي امتلاكه، فكيف يبثه في جيل كامل، وعليه أيضا أن يتحدى الثقافة الموجودة، ومن يقف خلفها.
ويجب أن نقف إجلالا لذلك الفكر الذي يصيغ أجيالا مؤمنة. أن نقف إجلالا أمام صبر الرسل وتضحياتهم كنوح عليه السلام.
كان يعيش مجتمع نوح الطبقية والتجبر في الأرض، فكانوا يحتجون على نوح عليه السلامبقولهم: كيف نؤمن لك واتبعك الأرذلون؟! وكانوا يهددون نوحا عليه السلام ومن اتبعه بالرجم تجبرا وعلوا في الأرض.
واتباع الأرذلين لنوح ليست مبررا لعدم الإيمان، فإن كانوا أرذلين، فربهم أولى بحسابهم، وعلى كل حال فلم تكن نهاية قوم نوح بأفضل من نهاية قوم فرعون أو قوم إبراهيم حيث دعا نوح ربه عليهم، وسأله أن يفتح بينه وبينهم فتحا، فأغرقهم الله ونجى نوحا ومن معه من المؤمنين.
ومرة أخرى تجلت عزة الله بالانتقام من قوم نوح، كما تجلت رحمته بنجاة المؤمنين، وكان في ذلك أعظم آية، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.
بينات من الآيات
[١٠٥] كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ الأنبياء خط واحد ومتكامل، أرسلوا كلهم من قبل رب واحد، وتقف رسالاتهم جميعا، من ناحية المبادئ العامة، وتفترق في المحتوى الاجتماعي، فموسى جاء لإزالة طاغوت زمانه، وإنقاذ أمة مستضعفة، و نوح جاء لإزالة الطبقية والتجبر، ومجرد التكذيب برسول واحد يقتضي التكذيب بسائر الرسل جميعا.
وربما معنى هذه الآية أن الله أرسل في قوم نوح أنبياء كثيرين كان آخرهم نوح عليه السلام.
[١٠٦] لقد أرسل الله إلى قوم نوح الجبارين أخا لهم في النسب لكي لا تمنعهم عصبيتهم من اتباع رسالات الله، وفي هذا غاية المنة عليهم.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ألا تحفظون أنفسكم من غضب الرب بترك الفساد،