من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٢ - بورك من في النار ومن حولها
ولعلها تعبير عن التكامل والنمو.
إن لدى الإنسان صفات فطرية متنوعة وهي بحاجة إلى التنمية والتزكية لتنتهي إلى البركة، فهو يملك العلم والإرادة والصحة بالقوة- يعني أنه يملك إمكانية كل ذلك- والتربية هي التي تتعهد هذه الصفات بالتنمية والتزكية، فإذا بإمكانية العلم تتحول إلى علم، وإمكانية التعقل تتحول إلى عقل، وإمكانية الصحة إلى سلامة، وحسب التعبير الفلسفي يتحول الشيء من القوة إلى الفعل، وذلك بحاجة إلى منهج متكامل هو رسالات الله التي تفجر طاقات الإنسان وتنميها وتوجهها، لذلك تتكرر كلمة البركة في القرآن، فالقرآن بركة، والرسول بركة، والبيت الحرام مبارك، وهكذا.
وأول ما تلقى موسى عليه السلام من الوحي هو الإشارة بالبركة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وربما يقصد بمن في النار تجلِّي الله تعالى، ومن حولها موسى.
أما عن منطلق البركة في حياة الإنسان فهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، لذلك يأتي النداء الآخر بعد ذكر البركة- وفيه تعبير عن التوحيد- فالله هو منشأ كل خير في عالم الطبيعة، والإيمان بالله هو منشأ كل خير في عالم التشريع.
وبعد أن يشير السياق إلى الآيات التي تجلت على يد موسى عليه السلام يتناول قصة سليمان الذي ورث العلم والملك من داود، فأصبح ملكا نبيا، و ذلك ليبين لنا فكرة هامة هي: إن الالتزام بالرسالة لا يعني تحمل المشاق و المتاعب فحسب وإنما أيضاً تؤدي بأصحابها إلى النصر والملك.
والقرآن الحكيم كثيرا ما يبين لنا أحكامه وأفكاره عبر الأمثلة التاريخية و القصص، فبقصة يعقوب مع ولده يوسف عليه السلام يثير فينا عاطفة الأبوة، و بقصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل- حين أراد ذبحه- يبين تحدي الإنسان لهذه العاطفة، أما من قصة سليمان عليه السلام فإننا نستوحي أن الدنيا والآخرة يمكن أن يجتمعا على صعيد واحد، فبإمكان الرسالي صياغة حياة ملؤها الفضيلة والتقوى، ويجمع إليها القوة والنعم الدنيوية، والقصة تفيد أيضا أن التفكير السليم يمكن من جمع الدنيا والآخرة، حسب مستوى الإنسان و طموحه وقدراته، ويستشف من القصة معنى البركة الذي جاء ذكره في أول الآيات، فإنسان ما قد يصبح كسليمان نبيا، يتلقى الوحي من الله سبحانه مباشرة، وفي الوقت ذاته يكون ملكا بملك لا ينبغي لأحد من قبله ولا لأحد من بعده.
بينات من الآيات
[٧] لكي لا يستغرب أحد كيف يتلقى الرسول الوحي من لدن حكيم عليم، ولكي يعرف المؤمنون مزيدا من خصائص الوحي وكيف يتلقاه الرسول، و ما هي ظروف التلقي!