من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - فلن أكون ظهيرا للمجرمين
وكذلك نجزي المحسنين
[١٤] لقد عاد موسى كما وعد الله إلى أمه، وترعرع في حجرها وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ صار بالغا من الناحية الشرعية بتكامله العضوي وَاسْتَوَى تكامل عقله آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً حيث صار نبيا، وليس رسولا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
ليس هناك قرابة بين الله وموسى حين أعطاه النبوة، وإنما استحقها موسى بعمله وإحسانه وكل إنسان يعمل من أجل الآخرين يجازيه الله خيرا، وهذه الحقيقة نجدها في التأريخ وبالذات في تاريخ الأنبياء، بل وفي حياتنا اليومية أيضا، كما إن أفضل ما يتعبد به الإنسان ربه، ويستدر به رحمته هو الإحسان للناس.
وهذه الآية نجدها في أكثر من موضع من القرآن الحكيم، ففي سورة يوسف يقول تعالى وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٢٢]، ونحن يمكننا أن نجرب هذه الحقيقة: لنحسن إلى الناس، ثم لننظر كيف يعاملنا الله. إن الصدقة تزيد في العمر، وتدفع البلاء، وتزيد في المال حتى لو كانت الصدقة هي إماطة الأذى عن الطريق، أو مساعدة الأعمى والطفل على عبور الشارع، إذ ليس شرطا أن تكون الصدقة مالا.
إن أي خدمة يقوم بها الإنسان للآخرين يجد جزاءها سريعا فكيف إذا كرس حياته من أجل خير الناس وصلاحهم. إن الأنبياء لا يفكرون في مصالحهم الشخصية في الدنيا، وإنما يفكرون في خير الناس ومصلحة الرسالة التي يحملونها، ونقرأ في سيرة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه واله أنه: (لمَّا مَرِضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ، قَامَ إِلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله مَنْ يُغَسِّلُكَ مِنَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْكَ؟. قَالَ صلى الله عليه واله
ذَاكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِأَنَّهُ لَا يَهُمُّ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي إِلَّا أَعَانَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى ذَلِكَ،
فَقَالَ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله فَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْكَ مِنَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْكَ؟. قَالَ صلى الله عليه واله
مَهْ رَحِمَكَ اللهُ.
ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
لِعَلِيٍّ يَا بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِذَا رَأَيْتَ رُوحِي قَدْ فَارَقَتْ جَسَدِي فَاغْسِلْنِي وَأَنْقِ غُسْلِي وَكَفِّنِّي فِي طِمْرَيَّ هَذَيْنِ أَوْ فِي بَيَاضِ مِصْرَ وَبُرْدِ يَمَانٍ وَلَا تُغَالِ فِي كَفَنِي وَاحْمِلُونِي حَتَّى تَضَعُونِي عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي فَأَوَّلُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ الْجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ ثُمَّ جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ فِي جُنُودٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ جَلَّ وَعَزَّ ثُمَّ الْحَافُّونَ بِالْعَرْش ثُمَّ سُكَّانُ أَهْلِ سَمَاءٍ فَسَمَاءٍ ثُمَّ جُلُّ أَهْلِ بَيْتِي وَنِسَائِي الْأَقْرَبُونَ فَالْأَقْرَبُونَ يَؤُمُّونَ إِيمَاءً وَيُسَلِّمُونَ تَسْلِيماً لَا يُؤْذُونِّي بِصَوْتِ نَادِيَةٍ وَلَا مُرِنَّةٍ.
ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
يَا بِلَالُ هَلُمَّ عَلَيَّ بِالنَّاسِ،
فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَخَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله مُتَعَصِّباً بِعِمَامَتِهِ مُتَوَكِّياً عَلَى قَوْسِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
مَعَاشِرَ أَصْحَابِي