من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢١ - فلن أكون ظهيرا للمجرمين
أَيَّ نَبِيٍّ كُنْتُ لَكُمْ؟ أَ لَمْ أُجَاهِدْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أَ لَمْ تُكْسَرْ رَبَاعِيَتِي، أَ لَمْ يُعَفَّرْ جَبِينِي، أَ لَمْ تَسُلَّ الدِّمَاءُ عَلَى حُرِّ وَجْهِي حَتَّى كَنَفْتُ لِحْيَتِي، أَ لَمْ أُكَابَدِ الشِّدَّةَ وَالْجَهْدَ مَعَ جُهَّالِ قَوْمِي، أَ لَمْ أَرْبَطْ حَجَرَ الْمَجَاعَةِ عَلَى بَطْنِي؟.
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ كُنْتَ لِله صَابِراً وَعَنْ مُنْكَرِ بَلَاءِ الله نَاهِياً فَجَزَاكَ اللهُ عَنَّا أَفْضَلَ الْجَزَاءِ. قَالَ صلى الله عليه واله
وَأَنْتُمْ فَجَزَاكُمُ اللهُ.
ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ وَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَجُوزَهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ فَنَاشَدْتُكُمْ بِالله أَيَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَ مُحَمَّدٍ مَظْلِمَةٌ إِلَّا قَامَ فَلْيَقْتَصَّ مِنْهُ فَالْقِصَاصُ فِي دَارِ الدُّنْيَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْقِصَاصِ فِي دَارِ الْآخِرَةِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْقَوْمِ يُقَالُ لَهُ سَوَادَةُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ لَمَّا أَقْبَلْتَ مِنَ الطَّائِفِ اسْتَقْبَلْتُكَ وَأَنْتَ عَلَى نَاقَتِكَ الْعَضْبَاءِ وَبِيَدِكَ الْقَضِيبُ الْمَمْشُوقُ فَرَفَعْتَ الْقَضِيبَ وَأَنْتَ تُرِيدُ الرَّاحِلَةَ فَأَصَابَ بَطْنِي فَلَا أَدْرِي عَمْداً أَوْ خَطَأً. فَقَالَ صلى الله عليه واله
مَعَاذَ الله أَنْ أَكُونَ تَعَمَّدْتُ
ثُمَّ قَالَ
يَا بِلَالُ قُمْ إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ فَأْتِنِي بِالْقَضِيبِ الْمَمْشُوقِ،
فَخَرَجَ بِلَالٌ وَهُوَ يُنَادِي فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ مَعَاشِرَ النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي يُعْطِي الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهَذَا مُحَمَّدٌ يُعْطِي الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَطَرَقَ بِلَالٌ الْبَابَ عَلَى فَاطِمَةَ عليها السلام وَهُوَ يَقُولُ: يَا فَاطِمَةُ قُومِي فَوَالِدُكِ يُرِيدُ الْقَضِيبَ الْمَمْشُوقَ.
فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام وَهِيَ تَقُولُ
يَا بِلَالُ وَمَا يَصْنَعُ وَالِدِي بِالْقَضِيبِ وَلَيْسَ هَذَا يَوْمَ الْقَضِيبِ؟.
فَقَالَ بِلَالٌ: يَا فَاطِمَةُ أَ مَا عَلِمْتِ أَنَّ وَالِدَكِ قَدْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ يُوَدِّعُ أَهْلَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. فَصَاحَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام وَقَالَتْ
وَا غَمَّاهْ لِغَمِّكَ يَا أَبَتَاهْ مَنْ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ يَا حَبِيبَ الله وَحَبِيبَ الْقُلُوبِ،
ثُمَّ نَاوَلَتْ بِلَالًا الْقَضِيبَ فَخَرَجَ حَتَّى نَاوَلَهُ رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
أَيْنَ الشَّيْخُ؟.
فَقَالَ الشَّيْخُ: هَا أَنَا ذَا يَا رَسُولَ الله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَقَالَ
تَعَالَ فَاقْتَصَّ مِنِّي حَتَّى تَرْضَى،
فَقَالَ الشَّيْخُ: فَاكْشِفْ لِي عَنْ بَطْنِكَ يَا رَسُولَ الله فَكَشَفَ صلى الله عليه واله عَنْ بَطْنِهِ فَقَالَ الشَّيْخُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَضَعَ فَمِي عَلَى بَطْنِكَ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِمَوْضِعِ الْقِصَاصِ مِنْ بَطْنِ رَسُولِ الله مِنَ النَّارِ يَوْمَ النَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
يَا سَوَادَةَ بْنَ قَيْسٍ أَتَعْفُو أَمْ تَقْتَصُّ؟.
فَقَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ صلى الله عليه واله
اللَّهُمَّ اعْفُ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ قَيْسٍ كَمَا عَفَا عَنْ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ» [١].
وهذه سنة الأنبياء عليهم السلام، كما يجب أن يكون هذا دين من يسير على خطهم في الحياة.
[١٥] و من علامات إحساس موسى عليه السلام أنه كان يبحث عن الخير، ولا يبالي بعدها بما يمكن أن يجره ذلك عليه من أذى إذا كان يرضي الله، لقد كان يبحث عن المحرومين حتى
[١] بحار الأنوار: ج ٢١ ص ٥٠٧.