من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٣ - كذلك لنثبت به فؤادك
المدينة، والتي تختلف فيها الظروف والمشاكل الاجتماعية إلا أن ذلك لم يخلف ولا أثرا بسيطا على واقع القرآن روحا ومنهجا.
إن في المستشرقين ممن لا يؤمن بالوحي حاول ربط الآيات بالأوضاع الاجتماعية التي مرت بها الأمة آنذاك، فجمعوا الآيات حسب نزولها، فسورة العلق تسبق سورة الحمد، فلما لم يكن مرتبا بشكل جيد. عرفوا بأنه من عند الله. حيث إن بعض الآيات من بعض السور نزلت في مكة، وبعضها الآخر في المدينة المنورة، بينهما فترة زمنية ليست بالقليلة. تتخللها آيات من سور أخر، ولكننا نجدهما في غاية التناسق، والوحدة الموضوعية. بحيث لو أضفنا كلمة زائدة إلى السياق أو حذفنا كلمة لاختلف السياق اختلافا كبيرا، بل لا يمكن ذلك حتى مع الحفاظ على ذات الكلمات القرآنية مع التقديم والتأخير.
وكلما تدبر البشر أكثر في القرآن الحكيم، كلما ازداد يقينا بأنه من عند الله، إذ يستحيل على الإنسان أن يجد ترابطا وثيقا بين كلام ينطقه الآن وكلام نطقه منذ عشرين عاما. من حيث المحتوى ونضوج الأفكار، وحتى في الأدب والصياغة، وقد قال ربنا تبارك وتعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢].
هذا إذا ما تركنا الروايات والأحاديث التي تحدثنا عن أسباب النزول جانبا لأن أكثرها لا ترقى إلى درجة اليقين العلمي.
٣- لتثبيت قيادة الرسول في المجتمع. حيث يعود الناس إليه، وينتظرون منه حلا ورأيا كلما مرت بهم حادثة.
كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ونجعلك تصيغ شخصيتك وفق آياته. وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا آية آية، ومقطعا مقطعا، حتى يصير واضحا غير مختلط ببعضه، لكي يدخل في ضمير المجتمع، ويمتد عبر الأجيال في التاريخ.
وينبغي أن نتلو القرآن- إذا تلوناه- بتدبر، ونرتله بتأمل، ونستضيء بهديه في ظلمات حياتنا، ونسلط أشعته الكاشفة على كل زاوية مظلمة.
يقول الحديث الشريف المروي عن النبي صلى الله عليه واله عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قَالَ
«بَيِّنْهُ تَبْيِيناً وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرَ الدَّقَلِ وَلَا تَهُذَّهُ هَذَّ الشِّعْرِ قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ حَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ وَلَا يَكُونُ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ»[١].
[١] مستدرك الوسائل: ج ٤ ص ٢٤٢.