من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٩ - أحسب الناس أن يتركوا؟!
يحرقون أشد أجزاء بدنهم حساسية، أو يعتدون على شرفهم وينتهكون أعراضهم.
ولكنهم لا يزالون صامدين بتوفيق الله، لأن أرواحهم قد صفت من حب الدنيا، وربتهم هذه الآية الكريمة، وعرفوا حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، فلم يختاروا على الآخرة شيئا.
وليس المهم أن يعلم الناس إيمانك، بل الأهم أن يعلم الله صدقك.
[٤] مسكين ابن آدم يزعم أنه يهرب من حكومة الله، أو يعجزه هربا، ويسبق قضاءه وقدره، وإنما مثله مثل الرجل الذي جاء إلى الإمام الحسين عليه السلام فقال له: أَنَا رَجُلٌ عَاصٍ وَلَا أَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَعِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ. فَقَالَ عليه السلام
افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ
- فَأَوَّلُ ذَلِكَ: لَا تَأْكُلْ رِزْقَ الله وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ.
- وَالثَّانِي: اخْرُجْ مِنْ وَلَايَةِ الله وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ.
- وَالثَّالِثُ: اطْلُبْ مَوْضِعاً لَايَرَاكَ اللهُ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ.
- وَالرَّابِعُ: إِذَا جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ فَادْفَعْهُ عَنْ نَفْسِكَ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ.
- وَالْخَامِسُ: إِذَا أَدْخَلَكَ مَالِكٌ فِي النَّارِ فَلَا تَدْخُلْ فِي النَّارِ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ» [١].
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا يفوتوننا. كلا .. سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ما من يوم يمر على الصابرين حتى يقتربوا يوما إلى رحمة ربهم، ولا يمر يوم على الجلادين حتى يقتربوا خطوة إلى العذاب.
[٥] مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وتعطي هذه الآية أملا لمن يرزح تحت سياط الجلادين، أو في دهاليز سجون الظالمين، أو المنبوذين بسبب إيمانهم، فمتى ما تناهى البلاء قرب الفرج، وإن جهادك وصبرك إنما هو بعين الله.
لقد بعث الطاغية العباسي هارون الرشيد إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام الذي كان معتقلا عنده من يستميله، فبعث الإمام عليه السلام إلى الرشيد من الحبس برسالة
«إِنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا انْقَضَى عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ حَتَّى نَقْضِيَ جَمِيعاً إِلَى يَوْمٍ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءٌ يَخْسَرُ فِيهِ المُبْطِلُونَ»[٢].
[١] بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ١٢٦.
[٢] بحارالأنوار: ج ٤٨، ص ١٤٨.