من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٠ - انظر كيف ضربوا لك الأمثال
الحياة بعد الموت، لهو أعجز عن إعطائه الخلود.
إن أسمى ما يفكر الإنسان في الوصول إليه شيئان
ألف: أن يدرك ما يريد.
باء: الخلود وهو ما يسمى بغريزة حب البقاء.
ولا يمكن تحقيق هذه الطموحات في الدنيا بطبيعتها، فلا بد أن يفكر الإنسان في الدار التي يمكنه تحقيق طموحاته فيها، وليست إلا الدار الآخرة، وهذا وعد أكيد من الله للمتقين وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ [التوبة: ١١١] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا؟ [النساء: ١٢٢].
روي أن الفضل بن سهل وزير المأمون العباسي أراد تزويج المأمون من ابنته (بوران) وكان مترفا، وجندوا كل أموال الدولة الإسلامية من أجل حفل الزفاف، وكذلك يفعل الطغاة عبر التاريخ، واليوم أيضاً.
فصنعا ما صنعا، ومن جملة ذلك صنعوا فراشا منسوجا بخيوط الذهب، ومرصعا باللآلئ والجواهر، وعندما أراد الأب الأخذ بيد ابنته ويسلمها إلى عريسها- كما تقتضي التقاليد آنذاك- قال لها: يا بنيتي هل قصرت في حقك؟ وهل تريدين مني شيئا آخر، فقد أعددت لك كل ما تتمنى نفسك؟ قالت: لم تقصر في حقي، ولكني أريد شيئا واحدا. وما هو ذلك؟. قالت: أريد مسمارا ومطرقة أسمر بهما الفلك حتى يتوقف عن الدوران، كي تبقى كل الليالي مثل هذه الليلة. قال: وأنى لي بذلك؟. قالت العروس: وما تنفع ليلة واحدة إذن؟).
إن الإنسان مهما أوتي من نعم الله في هذه الدنيا، إلا إنه سيبقى قاصرا عن بلوغ تطلعاته البعيدة، فلو فكر بعقله مليا لأدرك أن الجنة هي الهدف لا الدنيا.
وكلما ازدادت النعم على الإنسان في الدنيا، كلما ازداد خوفه من زوالها. ألا ترى أنه كلما أوتي الإنسان خيرا يزداد بخلا؟ وفي الحديث
«مَا فَتَحَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ بَاباً مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا فَتَحَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَيْهِ» [١].
لأنه كلما ازدادت النعمة عليه. كلما ازداد حرصه عليها كي لا تزول، وهو يعلم في قرارة نفسه أنها زائلة لا محالة.
لذلك لا يمكن للإنسان أن يفرح بالنعم الدنيوية، بينما يساوره إحساس عميق بخوف زوالها يساوره بين لحظة واخرى، أما أصحاب الجنة فهم خالدون فيها لا يبغون عنها حولا.
[١] بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ٢٥٤.