من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٤ - الطاعة المصلحية الدواعي والنتائج
ثم إن الأسرة الفاضلة تبتدئ من الإنسان المطيع لله، وتنتهي إليه، فالأب الذي لا يخضع لشهواته العاجلة، ولا لمصالحه الخادعة، ولا للشركاء من دون الله كسلطان الجور، وأصحاب المال: إنه هو الذي يستطيع تربية أبنائه على شاكلته، أما الآخر الذي تمتلئ حياته بالطاعة العمياء، للمال ولأصحاب المال، أو السلطة ولأصحاب السلطة، أو للإرهاب، فإنه لا يستطيع تربية أبنائه أحراراً، يقاومون انحراف النفس والمجتمع.
رابعاً: لو بحثنا بعمق عن الأسباب الحقيقية للانحرافات البشرية، لوجدناها تنطلق من طاعة الإنسان للشهوات، فالذي لا يطيع شهواته لا يسرق، لأن من يسرق إنما يسرق لكي يصبح أكثر ثراء من غيره، أوليست هذه شهوة؟.
وهكذا يكذب الإنسان ويظلم أو يخاف من الناس، وهو يعلم أن كل ذلك طريق للانحدار والتردي.
وإذا ما عالج الإنسان هذا المرض عنده فإن سائر الانحرافات التي يعاني منها ستشفى طبيعيًّا تباعاً لعلاج الجذر.
بينات من الآيات
[٤٥] وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ لابد أن كل إنسان قد شاهد النملة التي لا تكاد العين تراها، كيف تبحث عن رزقها وكيف تمتلك ما تملكه الحيوانات الضخمة من أجهزة داخلية وأعضاء مختلفة؟ وهي تعرف بما أودع الله فيها من الهدى أن الحبة التي تحصل عليها يجب أن تفلقها إلى عدة أجزاء قبل أن تختزنها، لكي لا تنمو ثانية وهي في بطن التراب، و الأغرب من ذلك أنها تفلق الحبوب إلى قسمين إلا حبة الذرة، فإنها تفلقها إلى أربع أقسام بنظرتها التي أودعها الله فيها، وكأنها تعلم لو أنها فلقتها إلى قسمين لامكن لكل جزء منها أن ينبت لوحده دون سواها من الحبوب، و إذا رأت مكانا فيه غذاء فإنها تذهب وسرعان ما تعود ومعها جيش من النمل ليتعاونوا جميعا على نقله، و ادخاره، ترى كيف أبلغتهم بالأمر وبأي لغة تكلمت؟.
هذه النملة الصغيرة خلقها الله من الماء، وذلك الفيل الضخم الذي إذا رأيته هالك منظره، هو خلقه الله من الماء أيضاً، وهكذا سائر الحيوانات البرية والبحرية، والطيور والحشرات بالإضافة إلى البشر.
إن تنويع الخلقة، والتركيز على أن كل نوع منها يسير وفق سلسلة معينة في تدرج الحياة يعطينا إيمانا بالله، وبقدرته اللامتناهية حيث خلقها جميعا من الماء.