من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٣ - ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين
المشورة في الرأي والحزم في القرار، ذلك لأن الذي يحرك العالم أمران: العلم والإرادة. فيجب على المرء أن يعرف الطريق ثم يقرر المضي فيه، إذ قد يكون القرار خاطئا ومهلكا بدون علم، والقرار الذي لا إرادة معه سيكون هشا، والسلطة يجب أن تكون مجسدة لهذين العاملين الأساسين لحركة التأريخ.
إن الحكومات النيابية التي يضيع فيها القرار بسبب اختلاف الأفراد لا تفرز قرارات حازمة، وأما الحكومات المستبدة الحزم موجود في قراراتها إلا إنها ينقصها الرأي الصائب أو القرار العلمي، لأن الفكر الواحد لا يستطيع استيعاب المزيد من المعارف والتجارب، وأما الحكومات التي تبقى فيها القرارات لأعلى سلطة أي للفرد الذي يمسك زمام الأمور بيده، و لكنه لا يتخذ القرار إلا بعد أن يستشير مجموعة من الناس، سواء كانت هذه المجموعة من الخبراء أو المستشارين أو النواب، فإنها تكون أقرب إلى الصواب، لأن هذا النوع من الحكومات يجمع بين علم المشورة وحزم القرار، ويتضح هذا النوع من الحكومات في الآية الكريمة التي تقول وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩].
إذ يخاطب الله رسوله مرشدا إياه إلى مشاورة المسلمين في أموره، على أن يبقى القرار حقا خاصا به.
ونستوحي سلامة هذا النوع من الحكم من خلال قصة بلقيس حيث شاورت الملأ من قومها واستشارتهم بقولها أَفْتُونِي ففعلوا ولكنهم- بدورهم- خولوها حق القرار النهائي، وهذه نقطة مهمة في الحكم. إن بلقيس لم تكن لتفرض عليهم سيطرتها، بل هم الذين خولوها حق القرار، و من طرائف الحكم الإسلامي ولطائفه أن الناس بأنفسهم، وبملء إرادتهم، و كامل حريتهم يخولون شخصا حق القرار النهائي، وذلك عبر ولاية الفقيه، فالفقيه الحاكم والقاضي ولي أمرهم بإذن الله، وهو منتخب من قبل الناس بطريقة الانتخابات الإسلامية، ويخول حق اتخاذ القرار، فيسلم له الناس نفسيا قبل أن يتبعوه عمليًّا.
وبالرغم من أن حكومة بلقيس كانت من أفضل أنواع السلطة إلا إنها حيث كانت بعيدة عن روح الإيمان وهدى الرسالة فقد كانت منحرفة فاسدة، فسلامة القوانين، وصحة الأنظمة، وحتى سلامة تطبيقها لا تدل على أن البشرية تصل بها إلى شاطئ السعادة والسلام، إنما القوانين بمثابة جسد يحتاج إلى روح، وروحها هدى الله، فعلى الرغم من أن حضارة العرب في مملكة سبأ كانت جيدة، وقوتهم كبيرة، إلا إنهم فقدوا الصلة بالله، فعبدوا الشمس من دونه، ولأنهم فقدوا روح الإيمان اضطروا للخضوع إلى سلطان يملك تلك الروح الإيمانية.
والفرق بين بلقيس وسليمان لم يكن سلامة الأنظمة أو عدم سلامتها، و صحة القوانين