من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٥ - فألقي السحرة ساجدين
وهكذا اتهم فرعون موسى بأنه مخل بالأمن، وأن هدفه النهائي طرد المصريين من أرضهم، فقال يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ولم يكن فرعون يأبه بآراء الناس لأنه كان يزعم أنه الأهم، وربهم الأعلى، وكيف يجوز للرب أن يستشير المربوبين؟!.
ولكنه حين خاف انهيار عرشه بادر إلى المشورة، لا لكي ينتفع بعقولهم وتجاربهم، أولا ترى كيف كان يبادر بالجواب قبلئذ دون استشارة؟ وإنما يستميلهم، ويمنع من تأثير حجج موسى البالغة فيهم، وأيضا لكي يشاركوه في جريمته التي نوى ارتكابها بحق النبي موسى فلا تأخذهم به رأفة من بعد تنفيذها.
هكذا خاطب من حوله قائلا فَمَاذَا تَأْمُرُونَ وهكذا الطاغوت أبداً لا يريد آراء الناخبين ليخضع لها، بل بحثا عن الأهداف التالية
ألف: الإيحاء إلى الناس بأنهم يضعون القرار لأنفسهم حقا، وليس هو وحده.
باء: سبر نبض الشعب، ومعرفة مدى تأثير إعلامه فيهم، ومدى قوة معارضيه، ومكامن نفوذهم ليقوضهم.
جيم: لإضفاء الشرعية الكاذبة على حكمه، كذلك تراهم يبادرون إلى الانتخابات إذا بلغ بهم الخوف مداه، وعلى الرساليين أن يعوا هذه اللعبة، و أن يقوموا بتوعية الناس سلفا بما يقوم به الطغاة لخداعهم، والاستمرار في التسلط عليهم.
[٣٦] كانت الثقافة الفاسدة، والإعلام المضلل ولا زالت أعظم ركيزة لسيطرة الطغاة، ولقد كانت آثار الإغواء والفتنة والتضليل أبلغ بكثير من آثار السجن والقتل والتعذيب.
ويبدو أن نظام فرعون كان يستخدم السحر وسيلة لتكريس سلطته، و قد كان السحر منتشرا بين الأقباط يومئذ، والسحر نهاية مطاف الحضارة، و انتشاره يدل على وصول الناس إلى أدنى مستوى من العلم والمعرفة، إنه ليس إلا إثارة للخيال عبر مجموعة حركات وأصوات وألعاب خادعة، ولا يتأثر به إلا من سلم نفسه لتأثيراته.
ويبدو أن مركز تأثير السحر هو أعصاب الناس عبر منبهات صوتية، و حركات متناغمة، وحركات بهلوانية.
هكذا أشار الملأ من حول فرعون عليه أن يستغل السحرة لمواجهة آية موسى بعد اعتقاله وأخاه.