من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٦ - آنس من جانب الطور نارا
فيحاول الضغط عليه، ومن هنا يجب على المهاجر تفجير طاقاته المعنوية والمادية ليستوعبه أهل المدينة، وأول عمل قام به موسى عليه السلام أنه أعان العائلة الفقيرة، وهكذا نجد حياة الأنبياء والرساليين عبر التأريخ، فرسول الله صلى الله عليه واله دخل المدينة مهاجرا من مكة، ودخلت معه البركات إليها بسبب نشاطه وقيمه الرسالية، وأول ما وصل إليها بنى مسجدا فيها وهو مسجد (قباء) وردم الحفر والمستنقعات التي انتشرت حولها- حسب بعض التواريخ- والتي كانت باعثا على الأمراض، ثم إنه صلى الله عليه واله لم يكن كلا على أهلها، بل كان يعمل بنفسه، ويكد من عرق جبينه، أو ربما دفع الإمام علي للقيام بهذا الدور، ومثل هذا السلوك يجعل المهاجر محبوبا في المجتمع، وهذا ما حدث فعلا لموسى عليه السلام إذ بعث إليه شعيب عليه السلام لما أنبأته ابنتاه بأنه قوي أمين، وقد أحسن إليهما بالسقي لمواشيهما فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا وهنا إشارة إلى أن الأديان الإلهية عموما لا تعارض دخول المرأة إلى الواقع الاجتماعي، وتعاملها مع الآخرين، ولكن بشرط أن يكون تعاملها محاطا بالأدب والحياء، فهذه ابنة شعيب وهو أحد الأنبياء بعثها أبوها في أمر يجده ضروريا، وحين لبت كانت متسربلة بالعفة والحياء.
واستجاب موسى عليه السلام لهذه الدعوة لا ليأخذ أجر السقاية، وإنما ليجد له موقعا في هذا البلد الغريب. إذ ينبغي للمهاجر الرسالي أن يبني شبكة من العلاقات الاجتماعية بمختلف الأسباب المشروعة، ولمختلف الجهات في المجتمع حتى يستفيد منها في سبيل أهدافه الحق، وحينما مشى موسى مع امرأة غريبة مشى بأدب وحشمة، فقد أمرها أن تسير خلفه وتدله على الطريق يمينا أو يسارا، لأنه ربما يرى شكلها وهي تسير أمامه.
وفي الحديث
«فَقَامَ مُوسَى عليه السلام مَعَهَا فَمَشَتْ أَمَامَهُ فَسَفَقَتْهَا الرِّيَاحُ فَبَانَ عَجُزُهَا فَقَالَ لَهَا مُوسَيعليه السلام تَأَخَّرِي ودُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ بِحَصَاةٍ تُلْقِيهَا أَمَامِي أَتْبَعُهَا، فَأَنَا مِنْ قَوْمٍ لَا يَنْظُرُونَ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ» [١].
فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ روى له ما جرى عليه في بلاده التي يسيطر عليها فرعون وجلاوزته؛ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وأول ما دخل عليه موسى أمر له بطعام، فرفض أن يأكله وهو جائع، فلما سأله شعيب عن السبب، قال نحن من أهل بيت لا نأخذ أجرا على خدمتنا للآخرين لأنه لوجه الله، وبقي مصرا على ذلك، حتى أوضح له شعيب أن هذا ما نقدمه لكل ضيف يحل علينا.
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ١٣٧، مستدرك الوسائل: ج ١٤ ص ٢٧٤.