من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٨ - تبارك الذي نزل الفرقان
دليل على اختلاف عنصره.
الْفُرْقَانَ كلمة مشتقة من فرق يفرق مفارقة، وقد سمي الذكر فرقانا لأنه يهب الإنسان قدرة على التمييز، و عليه مسؤولية الاختيار.
وجاء في النص المأثور عن أبي عبد الله عليه السلام في معنى الفرقان في قوله نَزَّلَ الْفُرْقَانَ قال
«هُوَ كُلُّ أَمْرٍ مُحْكَمٍ وَالْكِتَابُ هُوَ جُمْلَةُ الْقُرْآنِ الَّذِي يُصَدِّقُهُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ»
[١]. وفي الصحيفة السجادية عن أبي محمد الباقر زين العابدين عليهما السلام
«وَفُرْقَاناً فَرَقْتَ بِهِ بَيْنَ حَلَالِكَ وَحَرَامِكَ، وَقُرْآناً أَعْرَبْتَ بِهِ عَنْ شَرَائِعِ أَحْكَامِكَ» [٢].
[٢] وإذا عرف الإنسان رب العزة الذي أنزل الفرقان عرف صدق هذا الكتاب، وكلما زادت معرفته بربه كلما زادت قدرته على الاستفادة من كتابه، وتحول الكتاب عنده إلى مقياس سليم لمعرفة الخير والشر، والنفع و الضر. ذلك لأن من عرف ربه بأسمائه الحسنى ثم تليت عليه آيات الكتاب، رأى تجليات ربه فيها، وعرف أنه لا يكون مثل هذا الكتاب إلا من الله الخبير، فلا يخالجه ريب في صدق رسالة ربه. وهكذا ذكرتنا سورة الفرقان أولًا بمن أنزل الكتاب.
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً إن من الناس من يعبد الآخرين باعتقاد ذواتهم الألوهية- كما يزعمون- أو أن شرعيتهم نابعة من الله ذاتا، كالاعتقاد بأن السلطان ظل الله في الأرض، أو أن الله أمر بعبادة التراب، وتقديس القوم والعشيرة.
وعندما ينسف الله هاتين الفكرتين، فإنه ينسف بذلك قاعدة التمايز الطبيعي بين العناصر البشرية، أو القوميات والوطنيات، أو أي شيء آخر.
ويأتي عجز الآية الكريمة مكملا- بتناغم وتناسب- مع كلمة الْفُرْقَانَ التي مر ذكرها في الآية الأولى، فهي ليست بعيدة عما تهدف إليه كلمتي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً في آخر هذه الآية، لأن الفرقان جاء لتعريف الإنسان بالتقديرات الإلهية، والأنظمة الربانية، والتقادير هي الأنظمة والسنن.
وقد أضافت الأحاديث في معنى التقدير وحدوده ونذكر فيما يلي بعضا منها
روي عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام
[١] تفسير القمي: ج ١ ص ٩٦، بحارالأنوار: ج ٨٩، ص ١٦
[٢] الصحيفة السجادية: دعاء ختم القرآن.