من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٦ - تبارك الذي نزل الفرقان
ضرا فيدفعه أو نفعا فيجلبه، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا.
وشركهم الله يجعلهم يكفرون بالفرقان ويزعمون أنه ليس إلا إفك صنعه الرسول بالتعاون مع آخرين. هكذا يظلمون الرسول، وهكذا يقولون باطلا.
ويقولون: إنها مجموعة أفكار السابقين تملى عليه فيكتبها بكرة وأصيلا.
كلا .. إنما أنزل الفرقان الخبير بسر السماوات والأرض. أو ليس الله هو الغفور الرحيم يتجاوز عن ذنوب عباده ويرحمهم بإنزال الوحي إليهم؟!.
بينات من الآيات
[١] إن من أبرز مميزات القرآن الكريم أن الحكمة تتجلى فيه، لأنه من لدن حكيم خبير، فلا تجد لفظة من ألفاظه على صيغة معينة إلا لحكمة.
ولعل سبب تسمية هذه السورة بسورة (الفرقان) هو التالي
أولًا: لاشتمالها على هذه الكلمة في بدايتها.
ثانياً: بما أن الإنسان خلق للبقاء في حياة أخرى لا تفنى، وإنما جيء به إلى الدنيا لتتكامل نفسه، ويعد لتلك الحياة وطريق التكامل الوحي، وسورة الفرقان تحدثنا عن الوحي، وضرورة الإيمان به، وكيفية تجاوز العقبات التي تعترض طريق الإيمان به، ونقرأ في نهاية السورة عرضا لأبرز صفات المؤمنين به، والتي تبين- في ذات الوقت- صورة عن الإنسان المتكامل الذي يعده الفرقان للجنة، ومن هنا سمي الوحي هنا بالفرقان لأنه يميز الإنسان المتكامل المعد للجنة عن البشر الناقص الذي يلقى في النار، فالفرقان هو القرآن الذي يعمل به، وتصاغ عبره شخصية أصحاب الجنة.
فبالقرآن يعرف الحق من الباطل، والخير من الشر، ومن اهتدى به أوتي الفرقان، وارتفع إلى درجة الولاية على الناس تشريعيا، إذ يستخلفه الله على أرضه، لا لميزة ذاتية، بل لأنه يجسد- أكثر من غيره- رسالة الله في سلوكه وتصرفاته، كما إنه يسمو لمستوى الولاية التكوينية، لأنه قد طبق بنود الرسالة على نفسه مما يعطيه القدرة على تسخير الأرض وما فيها.
وعندما تبدأ آيات هذه السورة المباركة بكلمة تَبَارَكَ والتي تعني التكامل في الحياة، فلكي تشير إلى حقيقة عظيمة تهم الإنسان كمسؤول عن حياته ومصيره، فلو طمح يوما إلى التكامل، فلابد له من إدراك هذه الحقيقة، وإلا فإنه سيظل عاجزا عن بلوغ الهدف الكبير.