من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٣ - ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا
أو ليس طلب المزيد من الحقوق في مقابل القليل من الواجبات يرجح كفة الفساد في حياتك؟! بلى؛ لذلك جاء في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام في صفة المؤمن
«المُؤْمِنُ حَسَنُ المَعُونَةِ خَفِيفُ المَئُونَةِ جَيِّدُ التَّدْبِيرِ لِمَعِيشَتِهِ لَا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» [١].
إن منهج الاستهلاك والشره والحرص على الدنيا في أبناء المجتمع هو الذي يؤدي- بالتالي- إلى سيطرة المترفين من أولي الثروة ومن خلالها تتحكم القوى المستكبرة خصوصاً من أعداء الأمة بالأمة، إن المترفين هم الجزء الظاهر من جبل الثلج في فساد الاقتصاد. إنهم فروع شجرة ضربت بعروقها بعيدا في أعماق المجتمع.
إن الركض وراء الربح السريع، والتهاون في العمل، والبحث عن الرفاه والرخاء المجانيين، وترك الإتقان، والتطفيف في العمل. كل هذه عوامل للانحطاط الاقتصادي، الذي يؤدي بدوره إلى الفقر والتبعية.
متع الدنيا وسائل بلوغ الآخرة، وأفضل المناهج للتحرز من الفساد الزهد في الدنيا، دعنا نتلو معا الحديث التالي في تفسير الآية، وبيان المصاديق الخفية منه.
روى حفص بن غياث قال أبو عبد الله عليه السلام
«.. مَا مَنْزِلَةُ الدُّنْيَا مِنْ نَفْسِي إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ إِذَا اضْطُرِرْتُ إِلَيْهَا أَكَلْتُ مِنْهَا، يَا حَفْصُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلِمَ مَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ وَإِلَى مَا هُمْ صَائِرُونَ فَحَلُمَ عَنْهُمْ عِنْدَ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ فَلَا يَغُرَّنَّكَ حُسْنُ الطَّلَبِ مِمَّنْ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ.
ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ ... الْآيَةَ، وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ عليه السلام
ذَهَبَ وَالله الْأَمَانِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ.
... قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا؟. فَقَالَ عليه السلام
فَقَدْ حَدَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [٢].
وإذا كان الإمام الصادق عليه السلام يبكي عند تلاوة هذه الآية خشية ألا يكون ممن تشملهم فكيف بمثلي ممن استبد بقلبه حب الدنيا، و حليت في عينه الضيقة، واستهوته الرئاسات وطلبها بكل وسيلة؟! أعاذنا الله جميعا منها ومن شرورها.
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ الذين يحفظون أنفسهم من نار جهنم بالتزام نهج الحق، وتعاليم الشرع في كل صغيرة وكبيرة.
[١] الكافي: ج ٢ ص ٢٤١.
[٢] بحارالأنوار: ج ٧٥، ص ١٩٣.