من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨١ - ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا
[٨٢] وبعد ما خسف بقارون، وانتهى كل ملكه تبينت للذين تمنوا مكانه حقيقتان
الأولى: عرفوا كذب ما قاله لهم قارون من أن هذه الأموال من عنده، منكرا أن الله هو الذي يوسع ويضيق على من يشاء، و الدليل أن الله هو الذي سلب منه ماله، والذي يقدر على سلب المال بهذه الكيفية لهو قادر على إعطائه وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ثم حمدوا الله أنهم ما انجرفوا مع قارون، وإلا لشملهم العذاب لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا.
الثانية: عرفوا أن الكافر الذي يكابر الله، ولا يستفيد من نعمه في أهدافها الحقيقية يفشل في الحياة، وأن المفلح هو المؤمن الذي يعمل الصالحات، كما أكد على ذلك أهل العلم الإلهي في الآية (٨٠).
وَيْكَأَنَّهُ أي ويل لك يا قارون إنه ... لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ.
العاقبة للمتقين
[٨٣] وجاءت في خاتمة الدرس آية توجز عبرها وحكمها: إن رسالات الله نزلت حتى تزكي أفئدة الناس من دنس الاستكبار و الفساد، وتطهر جنبات المجتمع من المستكبرين والمفسدين، فهذا فرعون علا في الأرض واستكبر، فقصم الله ظهره حين بعث موسى برسالاته وآياته، ثم نبذ فرعون وجنوده في اليم، و قارون إذ بغى على بني جلدته، ففسد في الأرض خسف الله به و بداره الأرض بدعوة موسى عليه السلام. إن فرعون لهو الأمثولة الظاهرة للاستكبار، وإن قارون لهو الأحدوثة البينة للفساد.
وإذ يضرب الله بهما مثلًا فلأن الأمثال تضرب بأوضح المصاديق، وأشدها إثارة، بينما تتسع عبرتها لكل من يكون مثلهما بنسبة وجود صفتهما فيه.
إن القلب الذي ينزع نحو العلو في الأرض ينطوي على فرعون صغير، والفؤاد الذي يهوى الفساد يحمل في ذاته قاروناً بقدره.
وكما أن النار تحرق ما حولها بقدرها، كذلك الانحراف يؤثر بقدره؛ ولا يمكن أن ننكر طبيعة الحرق في النار حتى لو كانت قبساً، كذلك لا يجوز أن نستهين بخطر الاستكبار والفساد حتى لو كان بقدر ذرة والدنيا دار ابتلاء وتمحيص، ولابد أن يتطهر القلب من آثار التكبر والفساد حتى يضحى أهلًا للجنة. دار ضيافة الله، ومقام كرامته، ومأوى أوليائه وأحبائه.
تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ أما الطغاة وأولياؤهم فإن