من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٢ - وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها
به من أمن ورفاه، لذلك لم يشكروا الله، ولم يؤمنوا برسالة الإسلام، ولو أنهم فعلوا ذلك لاستزادوا من الأمن و البركة.
أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ إن أهم النعم لدى أهل مكة كانت هي: الأمن الآتي من حرمة الكعبة، والرفاه بسبب سيطرة أهلها على التجارة، وبسبب توافد الحجاج إلى البيت الحرام. كانوا يحملون معهم خيرات الأرض بالرغم من أن مكة كانت بين جبال وعرة، وأراض جرداء.
رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لقد ذكرنا مرة أن هناك فرقا بين الرزق والكسب، فالرزق هو ما يعطيه الله للإنسان هبة وعطاء، وربما بدون سعي، بينما الكسب هو ما يعطيه الله له بعد السعي، والآية تبين أن نعمتي الآمن والرخاء التي كانت ولا تزال لأهل مكة، لم يسع أهلها من أجلها سعيا، وإنما الله هو الذي تفضل عليهم بهما، وعدم إدراكهم لهذا العامل- الذي جاءت بسببه هاتان النعمتان- هو الذي جعلهم يبطرون بالنعمة، ويكفرون بالرسالة، بدل أن يشكروا الله عبر الإيمان برسالته، و طاعة القيادة التي فرضها.
ولعل الآية تشير إلى أهمية التشريعات الرشيدة في بناء الحضارات، و أن القيم الإلهية هي السبب في بركتي الأمن والرخاء للناس.
[٥٨] ثانياً: قد تضحي النعمة نقمة على أصحابها، وذلك إذا صارت هدفا بذاتها، بينما ينبغي للإنسان أن يشكر ربه عليها، وإن شكر أهل مكة الله على نعمتي الأمن والرخاء يتمثل في الإيمان برسوله، وهذا هو السبيل الأوحد للحفاظ على النعم ومنع تحويلها إلى نقمة، وهكذا يبقى الضمان الوحيد لاستمرار الحضارات اتباع رسالات الله ورسله، ومن أبرز فوائد الرسالات كبح جماح الإنسان من الاسترسال مع النعم إلى حد البطر والطغيان و الغرور، حتى ينسى الحدود، ويتجاهل الحقوق، ويندفع في اتباع اللذات إلى أبعد مدى؛ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا، والله لا يدمر القرى لمجرد أنها مرفهة، وكيف يكون ذلك وقد خلق البشر ليرحمهم؟ كلا .. إنه هو الذي وفر النعم للناس، ويخطئ أولئك الذين يصورون الدين بأنه يعارض النعم بذاتها، مفسرين الآيات والروايات التي تتناول موضوع الزهد: بأن الدين لا يجتمع مع الدنيا، أو السياسة. كلا .. إنما دمرها لأنها بطرت بالنعم، وأصابها الغرور، ولم تصل بالنعم إلى أهدافها.
فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ لقد سكنت من بعدهم تلك المساكن ولكن قليلا، لأنها كانت لا تزال منحوسة، مما جعل ساكنيها الجدد