من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٣ - بورك من في النار ومن حولها
يبين ربنا قصص الأنبياء، وها هو موسى عليه السلام يسير بأهله فيأنس نارا فيذهب ليأتي منها بخبر (عن الطريق) أو قبس ليصطلي ويستضيء به إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ.
[٨] فَلَمَّا جَاءَهَا حين اتجه موسى عليه السلام نحو النار ووصل على مقربة منها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا قال البعض: إن من في النار هم الملائكة، ومن حولها هو موسى. وقال البعض: إن مَنْ فِي النَّارِ هو الله الذي تجلى هنالك ببعض أسمائه، وقد قال ربنا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ و قد جاءت الخاتمة لبيان تقديس الرب من الحلول في مكان.
ويحتمل أن يكون المقصود بمن في النار هو موسى، ومن حولها الذين يقتبسون منه، وينتهجون خطه.
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي تعالى الله أن يكون حالا في النار، لأنه أكبر من أن يحده شيء.
[٩] إن النداء الذي تلقاه موسى عليه السلام هو المسؤولية التي تتمثل في الرسالة الإلهية المنزلة إليه، ينذر بها قومه، ويتحدى بها النظام الفاسد.
يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وهذا هو المنطلق.
[١٠] وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌ يقول المفسرون إن الجان هي الحية الصغيرة سريعة الحركة، ولكنا نعلم أن عصا موسى عليه السلام تحولت إلى ثعبان ضخم، وعليه فقد يكون التعبير بكلمة جَانٌ و هي الحية الصغيرة لبيان معنيين
الأول: جانب الخفة والسرعة في الحركة حتى كأن هذا الثعبان الضخم في خفته حية صغيرة.
الثاني: أنه كان في ضخامته كأنه الجن.
وموسى عليه السلام حين رأى هذا المنظر الرهيب وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ أي هرب ولم يلتفت إلى خلفه، أو لم يتعقب الأمر ويتابعه مرحلة فمرحلة ولحظة فلحظة، إلا إن العناية الإلهية تحوط موسى وتمده بالعون في كل حين، لذلك جاءه النداء تثبيتا له يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
الرسالة هي عطاء إلهي جديد يضاف إلى الرسول، وليست نبوغا فطريا، ولا نموا طبيعيا في حياته، لذلك نجد موسى عليه السلام يخشى ويخاف من العصا التي ألقاها هو نفسه، إذ لم يكن يعلم أنها ستتحول إلى جان.