من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٥ - بيوت أذن الله أن ترفع
و كلمة أخيرة: نجد في آيات هذا الدرس غرة الجمال وغاية الروعة، فبعد أن ذكرتنا الآية الأولى بأن القرآن آيات مبينات، ومثل وموعظة، بصرتنا الآية الثانية تجليات نور الله في السماوات والأرض .. ومثلا منها تجلى بالوحي في مشكاة قلب الرسول فإذا به نور على نور، وبعد أن ذكرتنا آية النور- التي سميت السورة بها- بتفاصيل هذا النور فسرتها بالمثل الواقعي لتجسيد هذا النور
ألف: فهذه بيوت النبوة سمت بذكر الله، إنه مثل للمشكاة تستقبل المصباح مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ.
باء: ويزهر فيها ذكر الله كما المصباح يشع في المشكاة فِيهَا مِصْبَاحٌ.
جيم: والصالحون في هذه البيوت هم سور ذكر الله، كما الزجاجة للمصباح، وهم في ذات الوقت حصون الدين، وأوتاد العلم والفضيلة الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ.
لذلك هم يسبحون ربهم بالغدو والآصال لا تلهيهم تجارة ولا بيع.
دال: وتعلو شعائر الله على أكتافهم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وتلك الشعائر وقود مسيرة التوحيد، و زيت اتقاد نور الوحي في الآفاق يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ.
هاء: ثم يبصرنا السياق بجزاء هؤلاء وأن الله يزيدهم من فضله نُورٌ عَلَى نُورٍ.
ويبين القرآن صفات الكفر في الطرف الآخر من الصورة ليرينا مدى اتساع الهوة بين الطرفين
الأول: فبينما نجد هنا المشكاة أو البيوت الرفيعة، لا نجد هنالك إلا سرابا لا حقيقة له في قيعة، لا سور ولا حدود واضحة، ولا موانع طبيعية.
الثاني: وهنا يتسع النور، أما هنالك فظلمات فوقها ظلمات. أمواج البحر تغشاها سحب الليل.
الثالث: وهنالك بيوت رفيعة، يجللها نور الرسالة، ويسمو بها ذكر الرب على شفاه رجال متعالين عن الدنيا، يجب على العباد احترامها، وتعظيم أهلها، وطاعتهم، أما هنا فظلمات بعضها فوق بعض، لا تأوي من شر و لا تحمي من خطر، وهم الطغاة وولاتهم الظلمة الذين يجب البراءة منهم، وقد جاء في تفسير أئمة الهدى أن الظلمات
«فِتَنُ بَنِي أُمَيَّةَ»
[١]، ويجري في من يتبع النهج الأموي الجاهلي من الطغاة والظلمة.
[١] الكافي: ج ١ ص ١٩٥، تفسير القمي: ج ٢ ص ١٠٦.