من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٨ - أحسب الناس أن يتركوا؟!
إِلَّا المُتَّقُونَ، وهَلَكَ المُتَّقُونَ إِلَّا المُوقِنُونَ، وإِنَّ المُوقِنِينَ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ» [١].
ويشرح الرسول صلى الله عليه واله أنواع الفتن التي سوف تبتلى الأمة بها كما جاء في نهج البلاغة: وقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت رسول الله صلى الله عليه واله عنها؟. فقال عليه السلام
«إِنَّهُ لمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ
الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا، ورَسُولُ الله صلى الله عليه واله بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ االلهُ تَعَالَى بِهَا؟.
فَقَالَ صلى الله عليه واله: يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ الله أَ ولَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ وحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ، فَقَالَ صلى الله عليه واله لِي: إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً؟. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ ولَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى والشُّكْرِ، وقَالَ صلى الله عليه واله: يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ ويَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ويَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ ويَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ ويَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ والْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الخَمْرَ بِالنَّبِيذِ والسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ والرِّبَا بِالْبَيْعِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ؟. فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ» [٢].
[٣] ثم يبين الله سبحانه أن الفتن تصيب الإنسان. عمل السيئات أو الخيرات، وأن مشكلة الذين يعملون السيئات أو ينهارون أمام المشاكل أكبر لأنهم يخسرون الدنيا والآخرة وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ والفتن تتباين أشكالها وصورها وجوهرها واحد، كما أن فتن السابقين كانت مختلفة، فقد جاء في جوامع الجامع
«قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يؤخذ فَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُفَرِّقُ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» [٣].
ونحن نرى اليوم من المجاهدين الصامدين تحت ألوان عذاب المتجبرين من البطولات النادرة ما يجعلنا نزداد يقينا بصدق الأخبار هذه، التي أنبأت عن صبر وصمود المجاهدين السابقين. يضعونهم في توابيت مغلقة لعدة أشهر بل لعدة سنوات، أو يسمرونهم على الحيطان خلال أعوام السجن، لا ينظفون تحتهم، أو يلقون بهم في أحواض الأسيد، أو يعذبونهم بأجهزة تدار بالحواسيب الآلية لتزرع أجسامهم بالألم الشديد وتمنع عنهم النوم و الراحة لأسابيع، أو
[١] الكافي: ج ٤ ص ١٩٨.
[٢] نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام خاطب به أهل البصرة.
[٣] جوامع الجامع للطبرسي: ج ٢، ص ٧٦١.