من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٢ - كذلك وأورثناها قوما آخرين
بحشد قواه التظاهر بالقوة لكي لا يفكر أحد بمعارضته، فلربما كانت في مصر قوى معارضة أخرى تنتظر دورها في الثورة ضد فرعون؟.
من خلال السياق يبدو أن الاحتمال الأول هو الأقوى، نعم مع كلا الاحتماليين أن المجتمع القبطي يخسر بخروج بني اسرائيل القوة البشرية العاملة (السحرة) مما يهدد اقتصادهم.
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ أي من يجمع له القوة العسكرية.
[٥٤] فلما عبأ جيشه ماديا بدأ بتعبئتهم معنويا بالأساليب التالية
أولًا: هون في نظرهم قوة المعارضة، وقال إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ فهم ليسوا قوة متماسكة، وفي ذات الوقت فهم قليلون.
ولا ريب أن تهوين شأن العدو من أساليب التعبئة المعنوية، والذي يقوم به أبدا الطغاة ضد المؤمنين الرساليين.
[٥٥] ثانياً: بين سبب محاربته لبني إسرائيل. إذ إن الطغاة يبحثون أبدا عن تبرير لإشعال نار الحرب ضد معارضيهم، فقال وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ.
فقد أثاروا غيظنا، بسبب تمردهم علينا، و خروجهم عن ديننا، ولأن بني إسرائيل استعاروا من قبل الحلي من أهل مصر، وذهبوا به كما يقول المفسرون، أو لأن خروجهم سيسبب خسائر اقتصادية كبيرة غير محتملة.
[٥٦] ثالثاً: كشف فرعون لهم عن مدى استعداده لمقاومتهم، وأنه يحذر غلبتهم بالرغم من قلة عددهم الآن.
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ أي نحن جميعا نستعد لمواجهتهم، ولعله أراد بذلك إبعاد خوف الهزيمة عن جنوده بأنهم قد استعدوا جميعا لمقاومة هذا العدو، وأن على كل فرد أن يقوم بدوره في مواجهة الخطر المحدق.
[٥٧] رابعاً: طفق يبين خيرات بلاده، التي يجب الدفاع عنها، فقال فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
إنه زعم امتلاكه لكل مقومات الحضارة، من زراعة تروى بالعيون مما تجعلها بعيدة عن الأخطار المحتملة، ومن المعروف أن حضارة آل فرعون كانت زراعية، وكانت متقدمة بالقياس إلى موازين تلك الحقبة القديمة، وكان يعتز بها فرعون كثيرا، ويعتقد بأنها دليل سلامة نهجه.