من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٥ - كل شيء هالك إلا وجهه
الذي يبني يعمل معه كل ما في الكون لأنه الآخر يبني، ونستوحي من هذا فكرة هامة وهي: أن أفضل وسيلة لنمو الإنسان وتكامله ليس هدم الآخرين وإنما بناء ذاته، لأنه بالبناء سوف تتفاعل معه قوى الطبيعة وسننها، أما عن طريق الهدم فهو يخسر كل ذلك.
٢- إن الحركات القسرية التي لا تنسجم وطبيعة الحياة يحكمها الفشل، فبالرغم من أن الظلم والبغي وما أشبه، قد فسح له ربنا المجال ليختبر إرادة البشر، إلا إنه لا يدوم باعتباره حركة قسرية فالذين يخرجون من بلادهم بالظلم لا بد أن يعودوا إليه ولو بعد حين، وفي التأريخ تمت هجرات قسرية كثيرة، بعضها من أجل الرسالة، وبعضها من أجل الكلأ والماء، وبعضها بسبب الإرهاب الحاكم، ولكن أصحابها كانوا يعودون ولو بعد قرون منتصرين.
وهذا يدل على أن تلك الأعمال التي جرت على الرغم من العدالة والحق في الكون، محكومة بالفشل وقد انتهت بالفعل، و هذا ما تؤكده الآية الثانية في هذا الدرس، والتي نزلت على المهاجرين في المدينة، في الوقت الذي كان أكثرهم لا يحلمون بالعودة إلى وطنهم الأول.
٣- على الإنسان الذي يحمل مشعل العلم والرسالة أن لا يتصور بأن ذلك له بل أنه من الله ألقي إليه، وبالتالي يجب أن لا يسعى للحفاظ عليها وعلى مركزه فيها حتى لو كان ذلك على حساب قيمه ومبادئه، فالرسول لولا رسالة الله لكان فردا عاديا. إذن فالذي منحه الرسالة هو القادر أن يبقيه في علو الشأن الذي بلغه بسببها، ويجب أن لا يفكر بأن يكون ظهيرا للكافرين، ليكتسب منهم القدرة، أو يتنازل عن بعض ما أنزل إليه طمعا في تأييدهم (كما فعل النصارى بدينهم فأفسدوه) وهذا يجري في علماء الدين، لأن القرآن نزل كما عن ابن عباس على لغة
«إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَة» [١].
الخطاب موجه للرسول، ولكن الذي يجب أن يسمع هم الذين يسيرون على خطه، ويعملون بمنهجه وهم علماء الدين، فسر عظمتهم هو الرسالة التي يتحملون مسؤوليتها، فلو فكروا أن يكتسبوا الشهرة والعظمة من مصدر آخر كالكفار، أو السلطات الفاسدة، أو الجماهير المنحرفة، فإن ذلك يكون خرقا لسنن الله في الحياة، ومن ثم عاملا في انحطاط منزلتهم، وربما نهايتهم، فليحترموا أنفسهم والعلم الذي تحملوا أمانته، وليستقيموا، و ليتحدوا الصعاب، وليتجاوزوا العقبات بالتوكل على الله، والعمل بهدى الرسالة.
وفي الأخير تختم السورة بالتذكرة بالتوحيد، وهو لا يعني الإيمان بالله، وأنه فاطر السماوات والأرض فقط- فهذا أمر لا ريب فيه- قال تعالى أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ
[١] بحار الأنوار: ج ١٧، ص ٧١.