من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٢ - كذلك لنثبت به فؤادك
حكمة التنزيل المتدرج
[٣٢] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بعد أن فشلت كل تبريراتهم قالوا: نحن لا نؤمن لأن القرآن لم ينزل جملة واحدة، وذلك دليل على ضعف الرسول، فلو كان من عند الله لما أعجزه أن يبعث به دفعة واحدة، لأنهم كانوا يجهلون خلفيات التنجيم. فلماذا جاء القرآن منجما؟.
١- إن القرآن ليس كتابا عاديا كأي كتاب، بل هو كتاب حياة، ينبغي أن يصنع جيلا من المتمسكين به، ولا يمكن ذلك إلا إذا ترسخت أفكاره وآياته في نفوس الناس، ونجد إشارة إلى الجيل القرآني في الآيات الأخيرة من هذه السورة حين ذكرت صفات عباد الرحمن.
والتنزيل المتدرج هو الذي صاغ الجيل الرسالي في الرعيل الأول من المسلمين، إذ كان المسلمون يصوغون حياتهم وفق كل آية تنزل عليهم، لتأتي الآية الثانية مكملة لسابقتها، ولتضيف تكاملا جديدا في شخصيتهم، إذ لم يكونوا قادرين على صياغة شخصيتهم وفق المنهاج القرآني دفعة واحدة، ولم يكن الله يريد للقرآن أن يكون تراثا فكريا وعلميا، بل منهجا عمليا لحياة الناس.
ويهدينا ذلك إلى ضرورة أن يطبق كل من المجتمع والفرد القرآن على نفسه كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، و تشير إلى ذلك الآية الكريمة فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] حيث يجب تطبيق الميسور من الآيات الآن تمهيدا لتنفيذ غيرها في المستقبل، ويوحي إلى ذلك قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا [البقرة: ١٠٤] على تفسير مضى: إن معنى النظر- هنا- الانتظار لوقت الإمكان.
ويبدو أن هذه من أعظم القواعد التربوية في الإسلام، ولا ريب أن ذلك لا يرتبط بالواجبات الدينية كالصلاة والصوم، إنما تختص بدرجات المعارف الإلهية أو المراتب العالية من الطاعات.
وفي هذه الأمور يتثبت الإنسان من خلال القرآن عندما يرتله على نفسه، كما رتل الله كتابه على نبيه ليثبت فؤاده.
٢- إن في ذلك بيانا لعظمة القرآن وأنه من عند الله، فمع أنه نزل على امتداد (٢٣) عاما وفي ظروف مختلفة. إلا إن ما تهدي إليه الآية الأولى وما تنطلق منه، هو عين ما تهدي إليه وتنطلق منه كل الآيات، لأن الله الذي أنزله صاغه على نمط ومنهج واحد، لا اختلاف فيه ولا تناقض.
ومع أن مراحل الدعوة قد اختلفت في حياة الرسول صلى الله عليه واله حيث انتقل من مكة إلى