من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٥ - ومن أضل ممن اتبع هواه
في كل زمان ومكان.
جيم: مقياس الوجدان: إن أي فكرة تثبت في ذهن الإنسان إنما هي نتيجة لأحد شيئين: فإما تكون نتيجة للعقل والوجدان، أو تكون نتيجة للجهل و الشهوة، وهذا أهم وأسهل من كل المقاييس الأخرى.
والقرآن في هذه الآيات يعالج هذه الحقيقة، ففي البدء يقول الله: إنكم أيها الناس إذا لم تتبعوا هذه الرسالة، فابحثوا عما هو أفضل منها واتبعوه، ولكنهم لو كانوا يريدون الهداية لاتبعوا الرسالة لأنهم لا يجدون أفضل منها، وإذ يتركونها فلكي يتبعوا الهوى باعتبارهم يريدون التملص من مسؤولية التعهد والالتزام بالحق.
فالإنسان إذن إما يتبع العقل أو يتبع الهوى ولا ثالث، ولكن ما هو العقل؟ وما هو الهوى؟.
العقل هو النور الذي يقربنا إلى الحقائق الخارجية، ويجعلها هي المقياس، أما الهوى فهو القوة الداخلية التي تجرنا إلى النفس، ومصدره حب الذات، فالعقل يوجهنا للناس، بينما الهوى يوجهنا لذواتنا.
وكثيرا ما يتميز الحق عن الباطل بوضوح أمام الإنسان، ولكنهما قد يختلطان فلا يتميزان في بعض الأحيان، لذلك ورد في الدعاء
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَرِنِي الحَقَّ حَقّاً حَتَّى أَتَّبِعَهُ وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا حَتَّى أَجْتَنِبَهُ وَلَا تَجْعَلْهُمَا عَلَيَّ مُتَشَابِهَيْنِ فَأَتَّبِعَ هَوَايَ بِغَيْرِ هُدًى مِنْكَ وَاجْعَلْ هَوَايَ ..» [١].
ومن الناس من يهتدي للحق في أعقد الأمور بلحظة تفكير، بينما نجد آخرين على العكس منهم، والسبب هو أن الفريق الأول يستفيد من عقله لذلك ينمو، بينما الفريق الثاني لا يستفيد منه فيخبو، وهذه سنة الله في الحياة، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام
«لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلًا ويَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا» [٢].
ثم يشير القرآن إلى حقيقة هامة هي: أن قسما من الناس كانوا مسلمين قبل بزوغ فجر الإسلام، وهناك جماعة يسمون بالحنفيين، لأنهم تركوا عبادة الأصنام لعبادة الله، مثل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وجعفر الطيار الذي أخبر الرسول صلى الله عليه واله عن أربع خصال لم يفعلها في الجاهلية
[١] البلد الأمين: ص ٣١، تعقيب صلاة العشاء.
[٢] نهج البلاغة: حكمة: ٢٧٤.