من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٧ - ومن أضل ممن اتبع هواه
[٥٣] وذلك لأنهم يجدون هذا الكتاب في جوهره مطابقاً للرسالة السابقة، وموافقاً للعقل والفطرة، لأن المؤمنين بالرسالات السابقة كانوا قد روضوا أنفسهم بالحق. وقاوموا جهل قلوبهم وأهوائهم وشهواتهم، وسلموا- بالتالي- لربهم، فإنهم كانوا مستعدين نفسيًّا للإيمان بالحق وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ.
[٥٤] ويعطي الله هؤلاء أجرهم مضاعفا أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ مرة لإيمانهم بهذا الكتاب الذي أكمل الله به رسالاته، ومرة لأنهم آمنوا بالكتاب الذي أنزل إليهم، وصبروا عليه فلم يحرفوه كما حرفه علماء السوء منهم، ولم يخضعوا لضغط السلطة والثروة.
بِمَا صَبَرُوا على الأذى الذي لاقوه لإيمانهم بالكتاب، ولعل أعظم الثواب كان لهم بسبب صبرهم أيام الفترة وانقطاع الرسل، حيث سيطر الطغاة، وانحرف الناس، ولم يبق إلا بقية مستضعفة من المؤمنين أمروا بالصبر، والعمل بالتقاة، ورد أذى الكفار والمنحرفين بسعة الصدر، وحسن الخلق، والعطاء، وعدم الخوض في الجدل العقيم مع المنحرفين.
وعلى هذا يكون معنى الصبر ما يبينه السياق لاحقا، وتكون هذه الآيات بيانا لمنهاج المؤمنين في عصر التقية، ويتلخص في: الصبر، والعفو، و الإنفاق، والإعراض عن لغو الجاهلين.
وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ لقد تقدم أن الظالم يتبع هواه على حساب عقله، وبالتالي تتضخم ذاته على حساب الآخرين، أما المؤمن فعكس ذلك: يكبح جماح نفسه وهواه، فينمو عقله، فهو يفكر في الآخرين، فإذا أخطؤوا عليه درأهم بالحسنات، و إذا احتاجوا سد حاجتهم وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.
[٥٥] ثم إنهم طوعوا أنفسهم، وروضوا أهواءهم، وحددوا حب ذاتهم عن طريق الإعراض عن اللغو، وهذا ما ينمي العقل، لأنه يخالف الهوى.
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ لأن طموحاتهم وأهدافهم أسمى من الأهواء والشهوات، لذلك لم تستفزهم إثارات الجاهلين، ولم يبوحوا بأسرارهم، ولم يخوضوا في الجدل الذي لم يؤمروا به، بل إذا طالبهم الجاهلون بالحجة- جدلا- أعرضوا عنهم وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ.
هدف هؤلاء ابتغاء رضوان الله، وليس العلو في الأرض، والتظاهر، و الفخر، والغرور بما لديهم، لذلك لا يستفزهم الجاهلون، ولا يثيرهم سبهم، وطلبهم للبراز في ميدان الجدل