من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - تعالى الله عما يشركون
الآخرة، ففي الدعاء
«وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا ولَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا» [١].
ولا ريب أن الذي يفكر في الدنيا فقط فإن مصيبته ستكون في دينه. والسبب من اقتصار علمهم على الدنيا هو شكهم في الآخرة بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا، بل أكثر من ذلك بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمِينَ فلا يذكرون الآخرة، كالأعمى الذي لا يعرف النور ولا اللون. ويبدو أن في السياق تدرجا في مراحل جهلهم، توقف علمهم فلا يعرفون أي شيء من شؤون الآخرة، وهذا وحده سبب كاف لنبذهم من قبل أتباعهم، ثم بين ربنا أنهم أساسا يشكون في الآخرة، فكيف ينفعون أحدا في دار يشكون في وجودها، ثم بين أنهم فقدوا ما كان يمكنهم معرفة الآخرة به وهو عين البصيرة، ومن لا يملك جهازا للإدراك فهل يتصدى إدراكه لشيء.
[٦٧] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ إنهم يشكون في البعث والجزاء لجهلهم بالله وقدرته، وأيضا لجهلهم بالخلق.
[٦٨] لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ والأساطير هي الخرافات التي تشيع داخل المجتمع، ولا واقع لها. ولو أن هؤلاء تعمقوا قليلا لعرفوا أن الحكمة تقف وراء كل شيء في هذه الحياة، ثم لعرفوا من خلال ذلك حقيقة المسؤولية، وأن هناك دارا للجزاء هي الآخرة، ولعل هذه الآية تفسر الآية السابقة وتبين أن سبب عمه هؤلاء الأنداد، ومن يشرك بهم من الجاهلين هو استبعادهم البعث وزعمهم بأنه لا يكون، لأنهم لا يعرفون كيف يمكن أن يكون، وهل يجوز أن تنكر وجود شيء لمجرد أنك لا تعرف كيف وجد، و ما هي عوامل وجوده أو تفاصيله؟!.
[٦٩] قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وماذا نشاهد حينما نسير في الأرض وننظر إلى التاريخ؟.
إننا نشاهد آثار تلك الحضارات التي بادت بسبب انحراف أهلها، ورفضهم لرسالات الله، وبالتالي نشاهد آثار الجزاء الدنيوي الذي يدلنا على الجزاء في الآخرة، وانتظار السنين التي تشملهم. إن الأنبياء عليهم السلام قد أنذروا أقوامهم وحاق بهم، فكذلك في الآخرة.
[٧٠] و أنت الذي تؤمن بالآخرة لا تحزن عندما ترى العاقبة التي حلت بالمجرمين، ولا تفكر فيهم وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تغتم على المجرمين الذين ينتظرهم نفس المصير.
ولا تخش مكرهم، لأن مكرهم عند الله، وفي إطار سلطانه سبحانه، و أن الذين سبقوهم
[١] بحار الأنوار: ج ٩٥، ص ٤١٢، في أعمال ليلة نصف من شعبان.