من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٧ - إنا دمرناهم وقومهم أجمعين
لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ إنكم أخطأتم وانحرفتم، فالأولى لكم أن تستغفروا ربكم عسى الله أن يغفر لكم ويرحمكم، فلا تصابون بآثار ذنوبكم، وآثار الذنوب قد لا ترى، فلو ذهبت إلى مستعمرة المجذومين، وأردت الدخول فيها، لوجدت من يقول لك: لا تدخل، ولو دخلت لانتقل إليك مكروب المرض، والحديث الشريف يقول
«فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» [١].
فتصر على الدخول لتجرب ذلك، وبعد خروجك تجد نفسك سليما لم تصب بشيء، فتظن أنه لم يصبك الجذام، ولكن بعد فترة من الزمن تجد آثار الإصابة بالمرض بادية على جسمك، ويؤكد الطبيب ذلك، ولكنك قد لا تصدق أن المرض قد أصابك عند دخولك دار المجذومين، بل تزعم أن المرض أصابك بسبب آخر، والطبيب يعرف أن جرثومة الجذام تنتقل عن طريق العدوى من الشخص المصاب، ولكن لم يظهر أثرها إلا بعد تكاثرها.
والذنوب تشبه الجراثيم في آثارها فهي تؤثر في جسم الإنسان وروحه و عقله ومجتمعه ولكن بعد فترة من الوقت. ومشكلة الإنسان هي نسيانه للذنب الذي يرتكبه، ولا يدري أنه يخلف آثارا قد لا تمحى، فالرجل الذي زار دار المجذومين كان بوسعه أن يتقي المرض قبل ظهوره لو ذهب إلى الطبيب ليتحصن ضد المرض، وهذا يعني في لغة الدين الاستغفار، وحين يرتكب الإنسان ذنبا فعليه الإسراع إلى الاستغفار كي يتخلص من آثاره.
[٤٧] قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ولعلهم تطيروا به لأنه كان ينذرهم عاقبة ذنوبهم، ومن طبيعة الإنسان الاستيناس إلى من يضحكه، ويزعم له أن درب الحياة مفروش بالورود، أما من ينذره و يذكره بعيوبه، ويبكيه، فهو ينفر منه و يتشاءم به.
قال أبو جعفر عليه السلام
«اتَّبِعْ مَنْ يُبْكِيكَ وَهُوَ لَكَ نَاصِحٌ وَلَا تَتَّبِعْ مَنْ يُضْحِكُكَ وَهُوَ لَكَ غَاش.
.) [٢].
قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ فقال لهم صالح: إن الشؤم الذي لحق بكم هو بسبب ذنوبكم وخطيئاتكم، فأنتم مذنبون، والعذاب ينزل عليكم من عند الله، وهو الذي بعثني نذيرا.
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ وإنكم لا تعلمون بأن الله حين أنعم عليكم بهذه النعم أراد أن يفتنكم بها، فالنعم ليست سوى ابتلاء، وهي ليست دائمة، ولا هي دائما خير، ولعل نعمة يكون وراءها شر مستطير.
[١] وسائل الشيعة: ج ١٢، ص ٤٩.
[٢] بحارالأنوار: ج ٧٢، ص ١٠٢.