من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٠ - يد الله فوق أيديهم
واضحة من الصراع الرسالي الذي قاده موسى عليه السلام مع بني إسرائيل ضد فرعون بجاهليته، و المستكبرين من ملئه.
وقبل كل شيء يبين القرآن لنا أن للصراع أداة أيديولوجية، وعوامل ثقافية، وأن أبرز أدوات الصراع الرسالي الجاهلي، وأوسع قنواته، و أفضل عوامله المؤثرة في انتصار جبهة الحق هو القرآن الحكيم، لذلك تبدأ هذه السورة بإشارة مبينة إلى القرآن ذاته، وبعدئذ يبين القرآن أسباب الصراع، ولماذا ينهض الرساليون ضد السلطات الجاهلية عبر التأريخ؟.
ويجيب القرآن بأن المسؤول الأول عن الصراع هو إمام الجاهلية، والنظام الذي يجسده، فلأن فرعون خرج عن سنة الله، وعلا في الأرض، وعاث فيها الفساد بشتى ألوانه وصوره، واستضعف طائفة من المجتمع فسلب حقوقهم، لذلك كله فإنه هو المسؤول عن الصراع وآثاره، وليست الحركة الرسالية. إذ لا يمكن للناس أن يسكتوا عن سلطة تضيع في ظلها حقوقهم وحرياتهم، والذي يزرع بذور الثورة بظلمه وفساده لا يحق له بعد ذلك أن يتهم الرساليين بالإرهاب والشغب، وهكذا تبدأ السورة بالإشارة إلى سبب الصراع وهو فرعون.
ثم يمضي السياق يبين سنتين في هذه الحياة: سنة يرعاها قضاء الله، و سنة يجريها قدره سبحانه، فقدر الله في الحياة أن السلطة التي تتمسك بأسباب القوة، والاستمرار المادية وهي الإرهاب والإغراء والتضليل فإنها تبقى وتستمر، ولكن فوق هذه السنة سنة وقانون أعلى وهو قضاء الله، فالعدالة الإلهية تأبى أن تستمر سلطة جائرة تعتمد على هذا الثالوث، فيأبى الله ذلك وهو العزيز الرحيم، الذي أجرى الأشياء بالحق، وخلق كل شيء لحكمة وهدف. يا ترى هل يدع الناس وهم عياله يسحقون تحت أقدام الجبابرة؟! كلا ..
إن هناك إرادة عليا يعبر عنها القرآن الحكيم في هذه السورة بصورة واضحة حين يقول وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ ولكن كيف تتم هذه الإرادة؟ فهل إرادة انتصار الحق على الباطل تتحقق بحركة كونية تنطلق من النجوم؟ أو بإشاعة مرض قاتل في صفوف المستكبرين؟.
ربما يتحقق ذلك عن هذا الطريق، ولكن الأكثر أن إرادة انتصار الحق على الباطل التي هي إرادة الله لا تتحقق من خلال العوامل الغيبية فقط، و إنما على أيدي المؤمنين أنفسهم، وقبلهم قيادتهم وأمامهم، لذلك نجد السياق القرآني فور ما يحدثنا عن إرادة الله العليا في الانتصار، يبين لنا أن هذه الإرادة لا تتحقق إلا بتربية قائد رسالي فيقول وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى.
حينما أراد ربنا إنقاذ بني إسرائيل من هيمنة فرعون خلق قائدا رساليا، و رعاه منذ