من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٩ - آنس من جانب الطور نارا
جديدة، هي مرحلة العودة للتحرير، وقد سبق أن أشرنا بأن الهجرة عند الرساليين لا تعني الهروب من الواقع وتحمل المسؤولية، إنما تعني الإعداد الأفضل لخوض الصراع الحاسم، ولا ريب أن موسى كان يفكر في مستقبل شعبه، ويخطط للمعركة القادمة وهو في طريق العودة.
كان الوقت ليلا، والفصل شتاءً، والمسير في صحراء مترامية الأطراف، ولم تكن هذه الطريق معهودة عند موسى، فضاع وماتت مواشيه، فصار يلتمس عونا له على هذه الظروف، وفي هذه الأثناء آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ وهو الجبل نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً وآنس من الاستئناس، وبالفعل أعطت هذه الشعلة شيئا من الأمل للنبي موسى عليه السلاموهو يعاني تلك الظروف القاسية، فأمر أهله بالبقاء، حيث أبقاهم في مكانهم ريثما يعود، وكانت أصعبها عليه الضياع، وبقاء أهله في البرد، كذلك قال لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ كان يتصور أن بجانب النار جماعة ما، يسألهم عن الطريق، و يعود لأهله بخبر مفيد، أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ والاصطلاء: هو التدفؤ.
[٣٠] كان هذا أبعد ما ذهب إليه موسى حينما رأى النار، ولكنه كان يحمل في داخله هما أكبر من ذلك كله، هم تحرير شعبه وسوقه نحو توحيد الله وعبادته، بعيدا عن العبوديات المزيفة، ولو وصل في هذا المضمار إلى نتيجة لا بد أنه كان ينسى كل شيء سوى ذلك الهم.
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وفي غمرة هذا القرب الإلهي أمره الله أن يقطع عنه كل علاقاته الأخرى، وينسى أهله وضياعه، وهلاك مواشيه، لأنه وجد ربه، وهنا التفاتة مهمة تعني المجاهدين أكثر من غيرهم وهي: أن عليهم الاطمئنان إلى نصر الله وعونه، وإن ذلك كله لا يتأتى لأحد إلا بعد السعي والجهاد وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩].
وثمة فكرة نجدها في تفسير الإمام الصادق عليه السلام لهذه الآية. إذ يقول
«كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو فَإِنَّ مُوسَى عليه السلام ذَهَبَ لِيَقْتَبِسَ لِأَهْلِهِ نَاراً فَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ»[١].
[١] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٨٣.