من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٧ - آنس من جانب الطور نارا
ويبين لنا هذا الموقف إحدى صفات المهاجرين الرساليين وخلفياتهم، إذ يجب على المهاجر أن يحصن نفسه ضد الذلة، ويحافظ على قيمه التي جاء بها للمهجر، فالكثير من المهاجرين، سواء كانوا عمالا أو مجاهدين حينما ينتقلون إلى بلاد الشرق أو الغرب تنمحي قيمهم من أذهانهم، و تنعكس على شخصياتهم قيم وسلوكيات مجتمع المهجر، لأن المجتمع قوي، وهم لا يجدون ما يحصنهم أمام تياراته، فيذوبون فيه.
وعلى المهاجر أن يفكر في الحفاظ على قيمه، وتحصين شخصيته قبل التفكير في توفير مأكله ومشربه، فقد رفض موسى عليه السلام أن يأكل إلا بعد ما تأكد من أن هذا الطعام لا تستتبعه ذلة ولا انتماء معينا.
[٢٦] قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ، وهذا الاقتراح يكشف لنا عن أمرين
الأول: إحساس المرأة بالحاجة إلى رجل يقوم بمهام البيت، وإن ما يشبع طموح المرأة في الرجل أن يكون قويا يجبر ضعفها، وأمينا تطمئن للعيش في كنفه. هذا من الناحية الخاصة- بالنظر إلى المرأة كامرأة- أما من الناحية العامة حيث الظروف المحيطة ببيت شعيب فهاتان الصفتان مهمتان، فمن الضروري أن يكون قويا حتى يؤدي المهام والأعمال بشكل أفضل، وأمينا حفظا لعرض البيت.
عن أبي عبدالله عليه السلام
«فَقَالَ لَهَا شُعَيْبٌ عليه السلام أَمَّا قُوَّتُهُ فَقَدْ عَرَفْتِهِ بِسَقْيِ الدَّلْوِ وَحْدَهُ، فَبِمَ عَرَفْتِ أَمَانَتَهُ؟!. فَقَالَتْ: إِنَّهُ قَالَ لِي تَأَخَّرِي عَنِّي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ فَأَنَا مِنْ قَوْمٍ لَا يَنْظُرُونَ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ، عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي أَعْجَازِ النِّسَاءِ فَهَذِهِ أَمَانَتُه» [١].
الثاني: ربما يكشف هذا الاقتراح عن رغبتها في الزواج منه، فقد ورد في الروايات أن التي تزوجها موسى هي صاحبة الاقتراح، بل وإنها هي التي أشارت على أبيها بالزواج منه، والذي يدل على هذا الأمر الآية اللاحقة، حيث يطرح فيها شعيب موضوع الزواج على موسى لقاء عمله معه ثمان أو عشر سنوات، مما يدل على وجود بحث مسبق، في هذا الموضوع بينه وبين ابنته، ولا ريب أنها كانت تعرف بأن أجور عمله هو الزواج.
[٢٧] وقبل شعيب باقتراح ابنته فأقبل على موسى عليه السلام، قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ، واشترط عليه العمل ثماني سنين عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ إلزاما، وخيره في سنتين إذا أراد هو فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ باختيارك وإرادتك، وإحسانا
[١] بحارالأنوار: ج ١٣، ص ٢٩.