من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٦ - رب نجني من القوم الظالمين
الحركة حين أعلن أمام الناس، أن الذي قتل القبطي بالأمس هو موسى عليه السلام فانتشر الخبر في المجتمع، وقررت السلطة أن تنتقم منه عليه السلام وتجعله عبرة للآخرين.
ويبدو أن الحركة الرسالية كانت ناضجة، مما جعلها تخترق خاصة فرعون، وتتعرف على خطط السلطة، وهذا من أسباب النجاح في العمل، إذ يمكن الاختراق الحركات من اتخاذ خطط وقائية ومضادة لخطط الحكومات، وكانت الخطوة الوقائية لموسى عليه السلام هو قرار الهجرة في سبيل الله.
وهكذا دخلت الحركة الرسالية مرحلة جديدة، وأسلوبا آخر في العمل الرسالي، والهجرة مرحلة أساسية لدى الحركات الرسالية عبر التأريخ، وهي ذات معطيات هامة على مستوى الفرد والحركة، فهي مثلا تزكي الفرد من جهة وتحفظ القيادة والتحرك من جهة أخرى.
ولم تكن الهجرة بالنسبة إلى موسى عليه السلام تعني الهروب من ساحة الصراع والعمل في سبيل الله، بل كانت فرصة للإعداد الأفضل للصراع و العمل، حيث كان مستضعفا ومحروما، فكان يبحث هنا وهناك عن مستضعف ليعينه، كما لم ينقطع عن التفكير في جماهيره المغلوب على أمرها.
لهذا نجد القرآن أول ما يحدثنا عن موسى عليه السلام في دار الهجرة يشير إلى أنه أول ما قام به هناك هو خدمة الناس، والإحسان إليهم. إنه لم يقل: يجب أولًا أن أنتصر على الطاغوت، ثم أفكر بعدها في خدمة المستضعفين، كلا .. فأنت أيها المؤمن، وأنت في مسيرة بناء الدولة الإسلامية عليك أن تسعى بما آتاك الله من قوة لخدمة الناس، لأن ذلك يربي الإنسان، وينمي فيه المواهب الخيرة، وبالتالي يجعله أهلا لتحمل المسؤولية الرسالية. و في الآية الأخيرة نجد صورة نموذجية لأسلوب الفرد المؤمن في الدعاء.
بينات من الآيات
فإذا الذي استنصره يستصرخه
[١٨] فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ لقد كان موسى عليه السلام مطلوبا عند السلطة باعتباره معارضا لها، فكيف وقد قتل شخصا منهم؟!.
إن الخوف الذي تشير له الآية الكريمة هو الخوف الإيجابي الذي يدعو صاحبه للتفكير في العمل ضمن الظروف الصعبة، لا الخوف السلبي الذي يدعو للتوقف عن التحرك والخنوع،