من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - انظر كيف ضربوا لك الأمثال
يعطيه قوة، لتتعالى بها عن أمواج الشهوة والعصبية. كيف؟.
لنضرب مثلا: من لا يملك إلا دينارا واحدا وخشي عليه من السرقة، يكون كل تفكيره في ديناره، حتى يكاد ينظر إلى الدنيا كلها من خلالها، أما من يملك مليون دينار غيره فهو يتغافل عن ذلك الدينار الواحد، فحتى لو سرق منه فله ما يسليه عنه.
هكذا الذي يؤمن بالجنة، يتسلى عن شهوات الدنيا، ويتغلب نفسيا عليها، وبالتالي يقوى على مقاومة ضغوطها.
كذلك من يخشى النار، فإن قلبه يلهو عن مصيبات الدنيا. أو ليست هي حقيرة جدا إذا قيست بسعير جهنم؟!.
وهكذا يسمو قلبه عن الحب والبغض، وعن الشهوة والغضب، عن العصبية والعداوة، ويتعالى على الخوف والطمع، فيرى الحقائق كما هي لا كما توحي به مصالحه الآنية.
كذلك الذين كفروا بالرسالة لأن الرسول لا يملك كنزا أو جنة يأكل منها، أو لم ينزل معه ملك نذير. إنما هم مرضى القلب، ولا بد أن يستشفوا وشفاؤهم في التذكرة بالساعة، حيث تتضاءل عندها ثروة الدنيا ومصيباتها، وعندها تتحرر أفئدتهم من قيود الشهوات.
ومن هنا كانت الآية هذه والتي نتلوها بيانا لسبب كفرهم، وأيضاً شفاء لمرض كفرهم.
ويستمر السياق في وصف النار ليزداد القارئ تجردا عن أغلال القلب، وبالتالي يزداد إيمانا بالكتاب. ذلك أن القرآن لا يجادل الكفار بالرسالة فقط، وإنما هو يزيد إيمان المؤمنين بها عبر إنذارهم بالساعة، فكلما وعوا حقيقة العذاب كلما أبصروا بنور قلوبهم حقائق الوحي أوضح وأجلى.
صور من العذاب
[١٢] ومن صفات جهنم أنها تلتقط طعمتها من مسافة بعيدة لقوة جذبها، فإذا رأت أصحابها مصفدين بالأغلال، مستسلمين لا يملكون حراكا ولا هربا، فإنها تسحبهم بلهيبها، وفي الوقت نفسه تستعر استعارا شديدا وبصوت رهيب وهذا هو التغيظ. كل ذلك لاستقبال أعداء الله والرسالة، وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام قال
«مِنْ مَسِيرَةِ سَنَةٍ»
[١]. إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وبالإضافة إلى ذلك فإنهم لا يدخلون جهنم دخولا عاديا، وإنما يهوون فيها لأنها موجودة في مكان سحيق.
[١] بحار الأنوار: ج ٨ ص ٢٥٤.