من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٦ - فألقي السحرة ساجدين
قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ أي أبقهما رهن الاعتقال، وبالرغم من أن مستشاري فرعون لم ينصفوا رسولهم، ولكنهم كانوا أقرب رشدا من مستشاري نمرود حيث أمروه رأسا بحرق نبيهم إبراهيم عليه السلام وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادقعليه السلام قال
«كَانَ فِرْعَوْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابُهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِنُمْرُودَ
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ- وَكَانَ فِرْعَوْنُ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ لِرِشْدَةٍ فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي مُوسَى قَالُوا- قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) [١].
وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ أرسل إلى أطراف البلاد من يجمع السحرة، وهكذا أعلن فرعون- حسب هذا الرأي- حالة الاستنفار القصوى لجهازه الثقافي والإعلامي لإحساسه بمدى خطورة التحدي.
[٣٧] وهكذا أمروه بتعبئة كل المهرة من السحرة يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ.
فوقع السحرة ساجدين
[٣٨] فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ولعله كان يوم عيد قومي لهم.
[٣٩] كان بإمكان فرعون أن يجري الصراع على حلبة قصره، بين النبي موسى والسحرة من أنصاره، ولكنه دعا الناس جميعا ليشهدوا المنافسة، كما فعل من قبل نمرود حيث لم يكتف حين أراد حرق إبراهيم عليه السلام بقليل من الحطب، بل أشعل نارا كانت تلتهم الطير على بعد أميال؟ لماذا؟.
لأن الطغاة يعيشون أبدا حالة الهلع، فإن قلوبهم تهتز من أدنى معارضة، فيتظاهرون بالقوة لتعديل توازن أنفسهم، ولكي يرهبوا الناس أن يتأثروا بإعلام المعارضة، وهكذا فعل فرعون وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ كان التعبير- هذه المرة- رقيقا، لما أحس به فرعون من خطر محدق، فأراد استمالة الجماهير.
بلى؛ إن الطغاة يريدون تمرير قراراتهم من خلال رأي الناس، لكي يوهموهم أنهم هم أصحاب القرار، ومسكينة هذه الشعوب الجاهلة كم وكم تمرر عليها هذه اللعبة، ليس في التاريخ الغابر، بل في التاريخ المعاصر أيضاً.
[٤٠] لم يكن هدف حشد الناس جعلهم الحكم بين الناس والمعارضة، ليختاروا ما
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ٧٢، بحارالأنوار: ج ١٢، ص ٣١.