من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٦ - وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب
ألف: النزعات الفاسدة في قلب البشر هي التي تضحي علاقات اجتماعية شاذة في حياته، فحب المال حبا جما يفرز الطبقية، و التكبر يولد الاستكبار والعلو في الأرض، والجبن يسبب الاستضعاف، والحرص يجر إلى الفساد الاقتصادي و ...
ولذلك كان الجبت والطاغوت وجهين لعمله فاسدة واحدة، فعبادة المال والتسليم للصولجان هو جبت القلب، بينما الديكتاتورية والاستبداد طاغوت المجتمع.
باء: أن الجاهليين الذين كانوا يعبدون الأوثان لم يكونوا ناقصي العقول إلى هذه الدرجة ليزعموا أن هذه الأحجار التي يصنعونها بأيديهم هي التي خلقتهم فعلا.
آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.
من هدى القرآن ؛ ج٦ ؛ ص٤١٦
.. إنما كانت الأوثان رمزا لتجمعهم، وتعبيرا عن نوع العلاقة التي ارتضوها لأنفسهم، ولذلك كانت الأصنام تكبر وتصغر حسب حجم القبيلة، فهناك صنم قريش (هبل) يعتبر أكبر الأصنام في الجزيرة، لأن تلك القبيلة كانت تزعم أنها كبرى قبائل العرب، وأصغر منها حجما كان صنم ثقيف (مناة) لأن تلك القبيلة كانت أقل مستوى من قريش، وكلما صغرت القبيلة تضاءلت أهمية أوثانها، حتى بلغ بتجمع صغير حقير أن صنع لنفسه صنما من التمر، فإذا أصابتهم مخمصة وقعوا على إلههم المزعوم و التهموه عن آخره.
بعد بيان هاتين الفكرتين نجيب عن السؤال السابق
باستثناء التجمعات التوحيدية انحدرت البشرية إلى درك الوثنية بطريقة أو بأخرى، إذ إنها ارتبطت ببعضها عبر المصالح و العصبيات والخرافات البعيدة عن العلاقة التوحيدية، ما الذي جمع طبقة المترفين إلى بعضهم؟ أوليس الحرص على تكديس الثروة؟! إذ المحور هنا حب المال، والعلاقة بالإنسان تمر عبر قناة جمع الثروة، ولا يحترم الإنسان كإنسان بل بصفته صاحب ثروة، إذ إن الاحترام هو للثروة ذاتا ولم يملكها بالتبع أليس كذلك؟! إذا الثروة معبودة، وهي محور العلاقة، ولا بد أن يختاروا إلها رمزا يحترمونه ويكرمونه ويقدسونه، وبالتالي يعبدونه. ذلك الرمز قد يكون صنما من ذهب أو فضة أو أحجار كريمة- كما كان يصنعه الإنسان البدائي- ولكن قد يكون رمزا متطورا يسمونه ب- (العلم)، أو بتمثال الحرية، وبرج تاريخي، أو تمثال الفيل أو التمساح.
وقد يختار تجمع المترفين شخصا يسمونه بالملك ويضفون عليه قدرا من القداسة المزعومة، و الجلالة المزيفة، فيجعلونه رمزا لتجمعهم.
وكما محور الثروة كذلك محور القومية والوطنية وما أشبه، تنفلت من إطارها السليم، وتتحول إلى صنم يعبد من دون الله.