من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٨ - وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ورد في مواضع أخرى من القرآن تجسيد حي لبعض مشاهد الآخرة، وهذه الآية تعرض واحدة من تلك الصور التي تجسم النزاع الذي يدور بين الجماعات التي كانت متوحدة في الدنيا على بعض القيم المزيفة، إذا بهم يتلاعنون يوم القيامة، أما المؤمنون فيقول عنهم ربنا سبحانه وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧].
وجاء في حديث مأثور عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في تفسير الآية: عن مالك الجهنمي قال: قال لي أبو عبد الله
«يَا مَالِكُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ ائْتَمُّوا بِإِمَامٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَلْعَنُهُمْ ويَلْعَنُونَهُ إِلَّا أَنْتُمْ ومَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِكُمْ» [١].
[٢٦] كلا الفريقين يعكسان طبيعة ما كانوا يعيشونه في الدنيا من زيف أو حقيقة، ولكن على الرغم من تكذيب القوم لإبراهيم عليه السلام وجوابه لهم بهذا المنطق الصارم، إلا إن دعوته لم تذهب سدى حيث آمن به لوط عليه السلام.
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ولوط عليه السلام بإيمانه قد حقق هجرتين لا هجرة واحدة، فالأولى هجرة معنوية حيث هجر المجتمع الفاسد رافضاً تمحوره حول الأوثان ليتصل بالمجتمع الصالح المتمحور حول الإيمان الحق، والهجرة الثانية هجرته الجغرافية حيث ترك مدينة بابل ليرحل إلى مصر ففلسطين مع إبراهيم عليه السلام لكي يقوم ببناء محور جديد لتجمع يقوم على أساس الإيمان بالله، وليقوم بدوره في تبليغ رسالات ربه.
[٢٧] وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ ويشير القرآن هنا إلى امتداد إبراهيم عبر الزمن عن طريق إسحاق ويعقوب، بينما كان أولاده بالفعل (إسماعيل وإسحاق) ولكن الله سبحانه وتعالى ركز على إسحاق، ولم ينف إسماعيل و ذلك لأن التجمع الرسالي امتد عبر الزمن عن طريق إسحاق، و وراءه يعقوب، ومن بعده ذرية طيبة كانت فيهم النبوة والكتاب، فتصدروا بذلك مسرح الأحداث، وكل أولئك كانوا من ذرية إسحاق عليه السلام في الوقت الذي كانت فيه ذرية إسماعيل عليه السلام تغط في سبات و جهل وخمول إلا قليلًا فهم توارثوا الحنفية، إلى أن بزغ نور رسول الله صلى الله عليه واله فيهم، فكان رحمة للعالمين، وسيد المرسلين، وهكذا بارك الله في أمة إبراهيم بحيث أصبح ذكره اليوم محمودا عند أكثر من ملياري إنسان. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فهو
[١] الكافي: ج ٨ ص ١٤٦.