من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٩ - عباد الرحمن
فما دامت القضية لا تتجاوز التصور، فإن النملة تمتلك القدرة على تصور الرب، ولكن من واقعها وشعورها.
وقد وقع بعض البسطاء من المسلمين في ذات الخطأ، فقالوا: إن الله شخص عنده لحية بيضاء طويلة، و يركب الحمار لينزل إلى الأرض في ليالي الجمع، فكان بعضهم يضع حزمة علف على سطح بيته في كل ليلة جمعة، حتى يأكل ما فيها حمار الله. (سبحانه وتعالى عن الأمثال).
وسبب هذه التخيلات خضوع الإنسان لخياله المحدود عند تصور الله، فيتصوره تارة من واقعه وطبيعته كإنسان فيحسبه كذلك، أو من واقع المجتمع وطبيعته تارة أخرى، فينعكس الوضع الاجتماعي على تصوره لله أيضا، فلأن علاقة المجتمع الجاهلي بالتجمع الإيماني مادية فهي صلفة، فإنهم لم يكن بمقدورهم تصور الرحمة صفة من صفات الله، فلا عجب أن يرفضوا أمر الرسول لهم بالسجود للرحمن. فقالوا وَمَا الرَّحْمَنُ؟.
فهذا اسم جديد على واقعهم ليس بعيدا أن يستغربوا منه، فواقعهم مشبع بالخوف والإرهاب وما إلى ذلك من الصفات المشينة.
وَزَادَهُمْ نُفُوراً لم يكن أمر الرسول لهم بالسجود لله إلا لجمع شتاتهم. كي تشرق عليهم شمس الرحمة، وتلفهم غمامة اللطف الإلهي، ولكنهم لعمق الإحساس بالإرهاب والخوف وما أشبه من الصفات الرذيلة نفروا حتى من هذه الكلمة كما تنفر الإبل المذعورة.
ويعبر هذا النفور عن مدى الجهل الغارقين فيه، والذي لا يزال جاهليو العصر يغرقون فيه أيضاً، ولا فرق بين الجاهليتين إلا أن إحداهما حديثة والأخرى قديمة.
فلو نهض رسالي يدعو الشرق الملحد، والغرب المشرك للسجود للرحمن، وإشاعة السلام والعدل في أرجاء المعمورة لردوا وَمَا الرَّحْمَنُ؟ أيضاً، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.
من آيات الكون
[٦١] تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً ربما تشبه كلمة تَبَارَكَ كلمة التكامل في منطقنا الحديث، فالمبارك يعني واسع الخير وثابته، أو المتكامل الذي ينمو- وتعالى الله عن النمو لأنه- الكامل الذي لا كمال بعده
«الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَلَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَلَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ»
[١] كما قال الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام.
[١] نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض.