من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥١ - عباد الرحمن
لذلك جاء في الحديث في تفسير الآية عن الإمام الصادق عليه السلام قوله
«يَمْشِي بِسَجِيَّتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا لَا يَتَكَلَّفُ وَلَا يَتَبَخْتَرُ» [١].
فعباد الرحمن يحبون حتى الأرض التي يضعون أقدامهم عليها. ولما يتعاملون به من خفة مع الأرض، لا يسحقون حتى النمل، ولا يقتلون حتى النبتة الصغيرة، ولا ينفرون الحيوان، بل يمشون عارفين بمواقع أقدامهم.
هذا بالنسبة للأرض، أما بالنسبة للمجتمع فإن علاقتهم علاقة رفق مع الآخرين، وخلفية كل ذلك أنهم يتكيفون مع السنن والقوانين الإلهية الثابتة، في علاقاتهم مع الطبيعة والمجتمع، مقتنعين بوجود سبل و أساليب ينبغي العمل وفقها، و السير في إطارها للاستفادة من الإمكانيات الهائلة المودعة من قبل الله في الطبيعة، وينعكس ذلك أيضاً على مواقفهم الاجتماعية والسياسية، فلأنها نابعة من فطرتهم النقية التي ترفض التكلف والتبختر فإنها مشية معتدلة. لا تظاهر فيها ولا صخب. جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام: عن مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَلَّامٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً قَالَ عليه السلام
«هُمُ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ مَخَافَةِ عَدُوِّهِمْ» [٢].
وهذا خلاف ما يفعله الآخرون ممن لا تشملهم الآية الكريمة وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ فإنا نجد علاقتهم مع الطبيعة و المجتمع علاقة قائمة على أسس فاسدة من الخشونة والعنف، واستغلال الناس، وتوجيههم منصرفا إلى التمرد على الأنظمة والقوانين الطبيعية، مما نرى آثار ذلك في إفساد العلاقات الاجتماعية، وانتشار التوتر و الحروب بين الدول المختلفة.
- ٢ الرفق
وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً لأن علاقتهم علاقة السلام والأمن فإنهم يجيبون الجاهليين- ممن يخاطبونهم بالجهل- بقولهم: سلاما، و قيل: إن المقصود بالسلام سلام الوداع، أي أنهم ينصرفون عن الجاهل بعد السلام عليه، عندما يحتكون به دون مبادلته جهلا بجهل.
ولكن الأقرب إلى قوله تعالى قَالُوا سَلاماً أنهم يبدؤون كلامهم وعلاقاتهم مع الناس عن طريق السلام، وهو إضفاء حالة من الأمن على العلاقة الإيجابية مع الطرف الآخر.
[١] بحار الأنوار: ج ٢٤، ص ١٣٢.
[٢] الكافي: ج ١، ص ٤٢٧.