من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٥ - وأحسن كما أحسن الله إليك
نتبع قائدا، لننظر هل نملك على طاعته برهانا يوم القيامة، حيث لا ينفع الجدل والتظني والتبرير فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ يوم القيامة تبلى السرائر، وتظهر الحقائق، ويتلاشى الباطل و الكذب، كما تتبدد الأعمال المنافقة، ولعل فاتحة الآية تشير إلى ضلال وضياع عبادتهم للأنداد، وأيضا أعمالهم التي مارسوها في الإطار الشركي.
[٧٦] ومن جملة ما يفتري الإنسان على الله هو اتباع مالكي المال والثروة إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ انحرف عنهم، وصار يظلمهم.
وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ والعصبة كما في تفسير علي بن إبراهيم
«مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى خَمْسَةَ عَشَر» [١].
لقد رزقه الله كنوزا ذات مفاتيح (صناديق وخزائن) لو حملتها العصبة أولو القوة لأرهقتها، وكان الهدف من إعطائه الثروة امتحانه. ذلك أن المؤمن الحقيقي تزيده الثروة قربا إلى الله، وتواضعا في خدمة الناس،- ولهذا جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
«قال رسول الله صلى الله عليه واله: الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الصَّائِمِ المُحْتَسِبِ، والمُعَافَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ المُبْتَلَى الصَّابِرِ، والمُعْطَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمَحْرُومِ الْقَانِعِ»
[٢]-.
أما ضعيف الإيمان أو المنافق فإنها لا تزيده من الله إلا بعدا، وفي الناس إلا تكبرا وغرورا، ولم يكن قارون من النوع الأول، فبادر المؤمنون لنصيحته إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ والفرح في هذه الآية بمعنى الغرور، وهو انعدام الهدف، و إحساس الإنسان بحالة الإشباع (انعدام المسؤولية) وكثير هم الذين يصابون بهذا الداء بسبب الجاه والثروة، قال تعالى كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦- ٧].
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ لأنهم ينسون الله فينساهم، بل كثيرا ما يجرهم الفرح لمبارزة الله.
[٧٧] الدنيا سلاح ذو حدين فإما تؤدي بصاحبها إلى النار و ذلك حين يتصورها هدفا بذاتها، وإما أن تؤدي به إلى الجنة و ذلك حينما يتخذها مطية لعمل الصالحات، فالغنى يصير فضيلة إذا استخدمه صاحبه في سبيل الله. هكذا يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن الدنيا
«مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ ومَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ»[٣].
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ١٤٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٨، ص ٤١.
[٣] نهج البلاغة: الخطبة: ٨٢.