غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٥٨ - التنبيه الرابع عشر دوران الأمر بين التمسك بعموم العام واستصحاب حكم المخصّص
لا يعقل
أن يتكفّل للعموم وأنّه استمراري أو لا، إذ أنّ إثبات الاستمرار إنّما
يكون بعد تحقّق الحكم وثبوته، فلا بدّ من أن يكون دليل الاستمرار للعموم أو
الاستغراقيّة مستفادا من دليل آخر غير دليل نفس الحكم إذ العموم إنّما
يثبت بعد تحقّق الحكم، فكيف يتكفّل به نفس دليل الحكم؟
ثمّ إنّ التخصيص كما يتناول العموم الاستغراقي أيضا يتناول العموم
المجموعي، فإنّ قوله: أكرم العشرة، إذا استثنى منهم زيدا يكون تخصيصا
قطعا، وحينئذ فالتخصيص كما يتناول العموم الاستغراقي يتناول العموم
المجموعي أيضا. وحينئذ فإذا كان الحكم واردا على المتعلّق العامّ، سواء كان
عمومه مجموعيّا أو استغراقيّا قيدا أو ظرفا لا يختلف الحال في ذلك في أنّه
بعد زمن التخصيص يتمسّك بالعموم، إذ خروج فرد من أفراد العموم الأزماني
الطوليّة لا يستدعي خروج آخر، فيبقى الآخر تحت عموم العامّ.
و هذا بخلاف الصورة الثانية وهي ما لو ورد العموم الأزماني على نفس الحكم،
فإنّ معناه أنّ الحكم لم يكن عامّا مستمرّا، وحينئذ فثبوت هذا الحكم بعد
زمن التخصيص غير معلوم(إذ الاستمرار إمّا أن يستفاد من دليل جعل الحكم ولا
يمكن في المقام لفرضه مجملا من هذه الجهة، وإمّا أن يستفاد من دليل
الاستمرار، والمفروض أنّ دليل الاستمرار إنّما يدلّ على استمرار الحكم
الثابت وثبوته من أوّل الأمر في هذا الزمان مجهول)[١].
فلا يمكن التمسّك فيه بالعموم لعدم العموم في الحكم، فيتمسّك حينئذ
بالاستصحاب بحيث لو لا الاستصحاب لما جرى العموم أيضا إذ لم يعلم
الاستمرار.
و لا يمكن المساعدة على ما ذكره، لعدم الفرق بين المقامين إذ ما ذكره من
عدم إمكان أخذ العموم والاستمرار من نفس دليل الحكم إنّما يتمّ إذا كان في
مقام الجعل، فإنّ جعل الحكم باللزوم لا يمكن أن يتصوّر فيه أنّه مستمرّ أم
لا، إذ لا بدّ في الحكم
[١]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.