غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٢ - مبحث التجرّي
لو أراد
فعلا مباشرته بنفسه فيفرض العبد كأعضائه فيوجد له أسباب التحريك بأن يحصل
له القطع بالواقع لما علم من أنّه لا يتحرّك إلاّ بعلمه وقطعه[١].
و إذا تمّت هذه المقدّمات الثلاث يلزم أن يكون نهي المولى وزجره عن تناول
المقطوع بخمريّته، لأنّه الّذي يتمكّن العبد من تركه، والمصادفة للواقع
وعدمها ليست باختيار المكلّف حتّى ينهى عنها.
و بالجملة، العاصي والمتجرّي كلّ منهما يقدم على تناول ما قطع بخمريّته،
ومصادفة تناول العاصي للواقع ليست باختياريّة أصلا، فالخمريّة لا يمكن أن
تؤخذ في متعلّق التكليف بمقتضى المقدّمة الاولى من أنّها ليست باختياريّة،
والمحرّك لا يمكن أن يكون إلاّ قطع العبد لا الواقع مع قطع النظر عن القطع
بموجب المقدّمة الثانية، والمولى لا يمكن أن يحرّك العبد إلاّ بإيجاد
محرّكاته وهو القطع. فينتج هذه المقدّمات أنّ النهي يلزم أن يتعلّق بمقطوع
الخمريّة لا بالخمر الواقعي وإن اقتضى ظاهره ذلك، وهو معنى شمول إطلاق
الأدلّة للمقطوع، فافهم وتأمّل.
و الجواب عن هذا الدليل أنّ المقدّمة الاولى والمقدّمة الثانية وإن كان لا
شبهة فيهما، إلاّ أن الكلام في المقدّمة الثالثة، وهي أنّ تكاليف المولى
إنّما تتوجّه نحو اختيار الفعل لا الفعل الاختياري، فإنّ الظاهر بطلانها:
بالنقض أوّلا، وذلك بالواجبات فإنّ التكاليف إذا كانت متوجّهة نحو اختيار
الفعل فيلزم كونها في الواجبات كذلك أيضا، فلو قطع بأنّ هذا اليوم من شهر
رمضان وصامه يلزم أن يكون صومه صحيحا مجزيا وإن لم يكن ذلك اليوم من شهر
رمضان، لأنّ التكاليف متوجّهة إلى اختيار الفعل، ولم يقل فقيه أو
متفقّه(بالصحّة بل ولا)[٢]بإجزاء القطع المخالف للواقع قطعا.
[١]انظر أجود التقريرات ٣: ٤٤.
[٢]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.