غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٥٣٦ - التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية
و قد أشكل الميرزا النائيني قدّس سرّه[١]على
استصحاب عدم الجعل وزعم أنّه لا يجري، وحينئذ فاستصحاب النجاسة الفعليّة
لا معارض له أصلا، لأنّ المعارض المحتمل هو استصحاب عدم جعل النجاسة للماء
بعد زوال التغيّر، فإذا لم يجر هذا الاستصحاب فلا معارض للنجاسة الفعليّة.
و وجه منع الميرزا هو أنّ الجعل لا أثر له بنفسه وإنّما الأثر للمجعول
وعدمه، وترتيب آثار المجعول على أصالة عدم الجعل لا يمكن؛لأنّه لازم عقلي
له ولا نقول بحجّية الأصل المثبت.
فتلخّص أنّ أصالة عدم الجعل لا تجري، لأنّها مثبتة لآثار المجعول ولا أثر لها بنفسها.
أقول: قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط أنّ الجعل هو عبارة عن الاعتبار
النفساني، وأنّ الحكم المجعول هو عبارة عن نفس المعتبر، وأنّ الاعتبار قد
يكون فعليّا ومعتبره أيضا فعليّا، وقد يكون الاعتبار فعليّا ويكون المعتبر
أمرا استقباليّا. وذكرنا أنّ هذا الاعتبار بنفسه هو المحرّك للمكلّف
الغافل نحو الفعل. وحينئذ فالاعتبار أثره هو التحريك الّذي هو حكم من أحكام
العقل، وعدمه أثره عدم التحريك وتوقّفها على الموضوع لعدم تحقّق المعتبر
قبله، فلو أحرزنا عدم الجعل للنجاسة فأثره إنّما هو عدم التحريك نحو
اجتنابه مثلا، وكفى بهذا الأثر أثرا لأصالة عدم الجعل حينئذ.
و يرشد إلى ذلك إجراء الميرزا قدّس سرّه[٢]استصحاب
الوجوب الّذي هو نفس الجعل، مثلا إذا شككنا في حكم وجوبي أنّه نسخ أم لا
فلا يتوقّف قدّس سرّه في إجراء استصحاب عدم النسخ ولا يقول بأنّ استصحاب
الوجوب لا يجري، لأنّ ترتيب آثار الواجب
[١]انظر أجود التقريرات ٤: ١١٠-١١٣.
[٢]انظر أجود التقريرات ٤: ١٠٩ و١٢٧.