غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٩٢ - في إمكان حجّية الظنّ واستحالتها
الثاني:
وهو المحذور في مقام الملاك، وهو أنّ العدليّة قد استقرّ بناؤهم على
تبعيّة الأحكام الواجبة للمصالح الإلزاميّة والأحكام المحرّمة للمفاسد على
فعلها بنحو يلزم تركها، وحينئذ ففي جعل الظنّ حجّة لو أدّى إلى التحريم
وكان الحكم الواقعي الإباحة فقد حرّم الحلال ونهانا عن عمل مع عدم ترتّب
مفسدة عليه فيكون نهيه جزافيّا، كما أنّه لو دلّ الظنّ على تحليل شيء كان
حراما في الواقع فقد رخّص في حصول المفسدة الّتي يلزم تركها. وبالجملة يلزم
أن لا تكون المصالح الإلزاميّة مصالح إلزاميّة، فافهم وتأمّل.
و نحن نقدّم الجواب عن إشكال الملاك-الّذي هو الإشكال الثاني-أوّلا ثمّ
نتعرّض للجواب عن الإشكال الأوّل الّذي هو إشكال اجتماع المثلين أو
الضدّين.
فنقول: إنّ إشكاله الأوّل يكون تارة في صورة قيام الأمارة الظنيّة مثلا على
وجوب ما كان مباحا أو حرمته، واخرى على إباحة ما كان حراما أو واجبا،
وثالثة تقوم الأمارة على وجوب الحرام أو تحريم ما كان واجبا، ففي الصورة
الاولى لا يكون كثير إشكال، إذ ليس فيه إلقاء في المفسدة، وجعل الشارع
حينئذ يكون من باب ملاحظة المصلحة النوعيّة بالنسبة إلى الأمارات، إذ الجعل
النوعي لا ينافيه عدم فائدة الجعل في فرد مع ثبوت الفائدة في النوع.
[و أمّا الكلام][١]في الصورة
الثانية ففي صورة انسداد باب العلم يدور أمر المولى بين أن يجعل الأمارات
فيحصل مقدار من الواجبات الواقعيّة أو لا يجعل الأمارة فلا يحصل شيء منها
أصلا، للإجماع على عدم لزوم الاحتياط وبقاء التكاليف الواقعيّة مطلوبة.
وبالجملة يدور الأمر بين تحصيل بعض المصالح الإلزاميّة وبين عدم تحصيل شيء
أصلا، وليس الشارع هو الموقع في المفسدة حيث تدلّ الأمارة على إباحة
المحرّم، لأنّه لو لا الأمارة لكان يمكن أن يفعله أيضا ومعها قد يتركه
أيضا.
[١]هنا كلمات غير مقروءة، لعلّ منها ما أضفناه بين المعقوفتين.