غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٥٦٣ - في الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة
الثانية: التصديق بفائدتها، وهذا أيضا لا ربط له بالجعل.
الثالثة: الأمر بها، وهذا أيضا ليس إلاّ اعتبار كونها في ذمّة المكلّف، وهو
جعل للوجوب المتعلّق بها وليس جعلا لها أصلا. وبالجملة فالظاهر أنّها ليست
بمجعولة أصلا، فلا يجري الاستصحاب فيها أصلا إلاّ أن يكون لها أثر.
ثمّ إنّه بقي شيء لا بأس بالتعرّض له، وهو أنّه ذكر الميرزا النائيني قدّس
سرّه أنّ الحكم الوضعي لا بدّ أن يكون مجعولا بنحو القضيّة الحقيقيّة،
وجعل مثل جعل الأمير عليه السّلام لمالك الأشتر واليا على مصر خارجا عن
مفهوم الحكم الوضعي وكذلك جعل اللّه نبوّة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه
وآله وإمامة أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام[١].
و نحن نقول: إن كان كلامه هذا اصطلاح له قدّس سرّه في الحكم الوضعي وأنّه
يصطلح بالحكم الوضعي على خصوص هذا فلا مشاحّة في الاصطلاح، وإن كان تحته
ثمرة علميّة أو عمليّة فنحن لا نرى فرقا بين الحكم التكليفي والوضعي، وكما
يصحّ التكليفي أن يجعل بنحو القضيّة الحقيقيّة كذلك يكون بنحو القضيّة
الشخصيّة، والحكم الوضعي كذلك. فكما يمكنه أن يقول: «انظروا إلى رجل منكم
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا فاجعلوه قاضيا فإنّي قد جعلته قاضيا»[٢]كذلك له أن يجعل شخصا قاضيا، وكلاهما مجعولان.
هذا تمام الكلام في الأحكام الوضعيّة. وقد تلخّص أنّ الأحكام الوضعيّة
بأسرها مجعولة للشارع بعضها استقلالا وبعضها تبعا للحكم التكليفي. نعم ما
كانت منتزعة من الحكم التكليفي كالشرطيّة والسببيّة تكون محكومة بالاستصحاب
المتعلّق بالحكم التكليفي، فإنّه يكون حاكما عليه، وسيأتي الكلام فيها ان
شاء اللّه.
[١]انظر أجود التقريرات ٤: ٧٥.
[٢]انظر الوسائل ١٨: ٩٩، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.