غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٩٨ - في الأدلّة العقليّة على حجّية مطلق الظنّ
الدليل
الرابع من الأدلّة الدالّة على حجّية مطلق الظنّ: هو الدليل المعروف في
اصطلاح الاصوليّين بدليل الانسداد، وهو مؤلّف من مقدّمات:
الاولى: إنّا نعلم إجمالا بثبوت تكاليف إلزاميّة في الشريعة المقدّسة،
والعلم بثبوت هذه التكاليف من ضروريّات الإقرار بالشريعة وبالدين، إذ لا
معنى لشريعة ليس فيها أحكام إلزاميّة قطعا.
الثانية: أنّ باب العلم إلى امتثال تلك الأحكام منسدّ علينا وكذلك باب
العلمي، والمراد بالعلم الحجّية الذاتيّة وبالعلمي الحجّة الجعليّة
كالأمارات.
الثالثة: أنّا مكلّفون بامتثال تلك الأحكام ولسنا كالبهائم والأطفال
والمجانين ولا يخفى أنّ ما ذكر في هذه المقدّمة الثالثة بعينه هو ما في
المقدّمة الاولى غايته بتغيير في التعبير، لأنّ معنى العلم بتكاليف
إلزاميّة هو أنّا مكلّفون بها وإلاّ لم تكن إلزاميّة، ولو اريد بالمقدمة
الاولى عدم نسخ الشريعة المقدّسة فمع أنّه يرجع أيضا إلى هذه المقدّمة من
ضروريّات الدين فلا معنى لذكرها وان توقّف عليها دليل الإنسداد، للزوم ذكر
وجود الصانع وبعثة الرسل أيضا، لتوقّفه عليه أيضا، فالأولى جعل المقدّمات
أربعة كما فعله العلاّمة الأنصاري قدّس سرّه بحذف الاولى[١].
الرابعة أنّ الامتثال المطلوب إمّا أن يكون بجريان الاصول في الأطراف، وهو
مؤدّ إلى الخروج من الدين مع عدم جريانها، للزوم المخالفة القطعيّة. أو
يكون بالتقليد، وهو مع أنّه لا دليل عليه مستلزم لرجوع العالم إلى من يعتقد
خطأه. أو يكون بالقرعة، وهو باطل قطعا نظير كونه بالاستخارة إجماعا بحسب
الظاهر. أو يكون بالاحتياط، وهو غير واجب أو غير جائز. فيتعيّن حينئذ دوران
الأمر بين الامتثال الظنّي أو الشكيّ أو الوهمي، فنفتقر حينئذ إلى ذكر
المقدّمة الخامسة، وهي أنّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح عقلا، فيتعيّن
العمل بالظنّ، للزوم تقديم المشكوك أو الموهوم تقديم المرجوح على الراجح.
[١]فرائد الاصول ١: ٣٨٤.