غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - دوران الأمر بين المحذورين في التعبديّات
إن قلت:
إنّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير لا يخصّ الأوامر والنواهي اللفظية،
بل يشمل المأمور به والمنهيّ عنه اللذين استفيدا من إجماع أو شبهه، وعلى
تقدير اختصاص دوران الأمر بين التعيين والتخيير بالأمر والنهي المستفادين
من الأدلّة اللفظية، فلا يخصّ خصوص ما إذا كان لهما إطلاق، بل قد لا يكون
للدليلين اللفظيين إطلاق، فلعلّ المقام وهو دوران الأمر بين المحذورين من
هذا القبيل.
قلت: ليس من هذا القبيل وذلك أنّ صورة كون الوجوب والتحريم مستفادين من
إجماع أو دليل لا إطلاق له يدور الأمر فيهما بين التعيين والتخيير، والقول
بالاتيان بمحتمل التعيين حينئذ إنّما هو من جهة إحراز الملاك في كل من
الإلزامين، وإنّما المانع عدم القدرة على الإتيان بكلا الملاكين فلو احتمل
حينئذ أهمية أحد الملاكين فهو مجز قطعا في مقام الامتثال، إذ الملاك فيه
إمّا مساو لملاك الآخر أو أرجح من ملاك الآخر فهو مجز قطعا، بخلاف الإتيان
بالثاني فإنّه لا قطع بالإجزاء بالنسبة إليه لو أتى به لاحتمال كون الآخر
أهم، ولا يجزي عقلا الإتيان بالمهم عند التمكّن من الإتيان بالأهم، وليس
المقام من هذا القبيل إذ لا إحراز فيه إلاّ لأحد الإلزامين فلا إحراز إلاّ
لأحد الملاكين، إلاّ أنّا نعلم أنّه على تقدير كون الملاك ملاكا للوجوب هو
مقدّم وأقوى من ملاك التحريم مثلا، فافهم.
هذا كله فيما إذا كان دوران الأمر بين المحذورين في واقعة واحدة شخصية وكانتا توصليّتين.