غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٩٩ - التنبيه الرابع في جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة
لا مناص عن التمسّك بالبراءة للشكّ في توجّه النهي إليه، لعدم العلم بالمصلحة في تركه حتّى يطلب تركه، فهو مجرى البراءة عقلا ونقلا.
الثانية: أن يكون النهي متوجّها نحو مجموع التروك فالمطلوب مجموع التروك،
فهنا ربّما يقال بأنّ الشكّ في فرد أنّه من أفراد المنهيّ عنه أم لا، شكّ
في مرحلة الامتثال فلا بدّ من اليقين بالامتثال ولا يكون إلاّ بتركه، إلاّ
أن التحقيق أنّ الشكّ بالنسبة إلى هذا الفرد المشكوك شكّ في توجّه النهي
إلى هذا الفرد وعدمه، إذ النهي قطعا متوجّه نحو ما علم أنّه من أفراد الخمر
قطعا، وتردّد أمر أفراد الخمر بين الأقلّ والأكثر، فالشكّ في كون هذا
المايع فردا للخمر شكّ في توجّه النهي عن الخمر إليه وعدمه، فالشكّ شكّ في
التكليف كسائر موارد دوران المكلّف به بين الأقلّ والأكثر.
و سيأتي أنّ الأقلّ متيقّن والأكثر مشكوك فيه شكّا في التكليف، وهو مجرى البراءة قطعا.
نعم، ليس له أن يوجد فردا من الأفراد المعلومة، إذ بوجوده تفقد المصلحة
المترتّبة على مجموع التروك، إذ لم يتحقّق حينئذ مجموع التروك.
الثالثة: أن يكون النهي متوجّها نحو عنوان بسيط منتزع عن مجموع التروك،
فيكون المطلوب بالنهي إيجاد ذلك العنوان البسيط المنتزع عن مجموع تروك هذه
الطبيعة، فيكون المطلوب بالنهي عن شرب الخمر صحوه عن سكر الخمر مثلا. ففي
مثل هذه الصورة إذا شكّ في فرد أنّه من أفراد الخمر أم لا يلزمه تركه قطعا،
لأنّه بوجوده قد لا يحقّق العنوان البسيط المنتزع المطلوب تحقّقه حسب
الفرض، ففي مثل هذه الصورة يكون التكليف معلوما والشكّ في مرحلة الامتثال،
فلا تجري حينئذ البراءة لا عقلا لوجود البيان وهو التكليف بالأمر البسيط،
ولا شرعا لأنّه قد علم التكليف، بخلاف الصور الخمسة المتقدّمة فإنّها مجرى
البراءة، لأنّها من فروع الأقلّ والأكثر، وسيأتي أنّه مجرى البراءة إن شاء
اللّه تعالى.