غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٩ - في الحسن والقبيح العقلييّن
بالتحريم فعليّا في حقّه، لأنّ القدرة شرط فعليّة التكليف ومن مبادئها الالتفات، نظير عدم إمكان خطاب الناسي، فافهم.
و إمّا أن يحكم بحرمة مقطوع الحرمة مطلقا، صادف الواقع أم لم يصادفه. وهذا
أيضا غير ممكن لاستلزامه التسلسل، وذلك لأنّ الإتيان بمقطوع الحرمة يكون
عصيانا للنهي عن ارتكاب مقطوع الخمريّة، فالحاكم بقبح هذا العصيان إن كان
العقل فهو المدّعى، وإن كان الشرع فيلزم نهي آخر وإليه ينقل عين الكلام. (و
هذا هو التسلسل الباطل في نفسه، مضافا إلى استلزامه عدم اختلاف المعاصي
صغرا وكبرا، لأنّ الأمرين الغير المتناهيين لا يختلفان من حيث العدد
والكيفيّة كما برهن عليه في محلّه)[١].
فقد ظهر أنّ التجرّي قبيح عقلا، غير محكوم بالحرمة شرعا، لكن لا يخفى أنّ
نفي الحرمة الشرعيّة لا توجب نفي العقاب، لأنّ العقاب إنّما يكون بحكم
العقل والعقل لا يفرّق في العقاب بين العاصي والمتجرّي، لأنّ كلاّ منهما في
مقام التعدّي على المولى وعدم توفيته حقوقه وظلمه وهتكه بمعنى عدم الجريان
على قانون العبوديّة.
و بالجملة، فالعاصي والمتجرّي يستحقّان العقاب على أعمالهما الاختياريّة
وهي كونهما بصدد الطغيان، ومصادفة الواقع وعدمها أمران خارجان عن أفعالهما
الاختياريّة فلا معنى لتعليق العقاب عليها أصلا، فافهم.
(نعم، يمكن أن يفرّق بين العاصي والمتجرّي بأمرين: أحدهما: مقدار العقاب
الاخروي المعدّ لشارب الخمر مثلا متعمّدا، كما ورد أنّه لا يشرب من الكوثر
وإن تاب[٢]فمثل هذا لا يترتّب في حقّ المتجرّي لعدم شربه الخمر.
[١]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.
[٢]لم نعثر عليه بعينه وإن ورد مضمونه في الوسائل ٢٥: ٣٢٧، الباب ١٥ من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث ١١ و١٤.