غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٥٥٧ - في الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة
الأحكام
الوضعيّة مجعولة حتّى يجري فيها الاستصحاب، أم ليست بمجعولة فيتوقّف جريان
الاستصحاب فيها على وجود الأثر الشرعي كبقيّة الموضوعات الخارجيّة، وقبل
الخوض في ذلك لا بدّ من التعرّض لبيان الحكم فنقول: يقع الكلام في امور:
الأوّل: أنّ الحكم هو عبارة عن اعتبار المولى شيئا، فإن كان متعلّق اعتبار
المولى فعلا من أفعال المكلّف فإمّا أن يعتبر في ذمّة المكلّف فعله فيكون
فعله واجبا، أو يعتبر حرمان المكلّف منه ويسمّى محرّما، أو يعتبر المكلّف
مطلق العنان بالنسبة إليه وهو المباح أو راجح الفعل أو الترك.
و إن لم يكن متعلّق اعتباره فعل المكلّف بل كان شيئا آخر فهو الحكم الوضعي،
فإنّ الغالب في الحكم الوضعي عدم تعلّق اعتبار المولى بفعل من أفعال
المكلّف، فالحكم التكليفي والوضعي يشتركان في كونهما عباره عن الاعتبار
المحض وإنّما يختلفان في متعلّق الاعتبار، فإن كان فعلا من أفعال المكلّف
فهو التكليفي وإلاّ فهو الوضعي.
الثاني: كما أنّ الموجودات النفس الأمريّة تنقسم إلى موجود متأصّل وهو ما
كان بإزائه شيء في الخارج كالجواهر والأعراض، وإلى موجود انتزاعي وهو ما
لا يكون له ما بإزاء في الخارج، وإنّما يوجد في الخارج منشأ انتزاعه. كذلك
الموجودات الاعتباريّة تارة يكون وجودها في عالم الاعتبار متحقّقا
كالزوجيّة والحريّة والرقيّة والملكيّة فإنّها موجودة في عالم الاعتبار،
واخرى يكون وجودها انتزاعيّا في عالم الاعتبار بمعنى أنّه لا يوجد في عالم
الاعتبار إلاّ منشأ الانتزاع، كسببيّة العقد للملكيّة فإنّ هذه السببيّة
ليس لها وجود في عالم الاعتبار. نعم، منشأ الانتزاع وهو ما ينتزع منه
السببيّة له وجود في عالم الاعتبار.
الثالث: أنّ نفس الاعتبار من الموجودات التكوينيّة لا بدّ أن يكون له سبب،
وسببه يلزم أن يكون أمرا تكوينيّا وليس الاعتبار نفسه من الامور
الاعتباريّة وإلاّ لزم التسلسل، بل هو أمر تكويني لا بدّ له من سبب تكويني.