غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٧٢ - التنبيه الثاني أنّ لجريان أصالة البراءة شرطين
عدم
الجريان في المقام ليس من جهة الأصل المثبت، بل من جهة المعارضة فإنّا لو
بنينا على حجّية المثبت من الاصول لم يجر البراءة هنا لا لأنّها مثبت، بل
لأنّها معارضة بالطرف الثاني.
و إن أراد غير هذا فهو يتصوّر على صورتين:
إحداهما: أن يكون ترتّب الحكم الإلزامي على جريان البراءة ترتّبا عقليّا
كما إذا كان من جهة المزاحمة، مثلا الآن هو شاكّ في وجود نجاسة في المسجد
ليرتفع أمر الصلاة الموسّع بمقدار الإزالة أو إطلاق أمر الصلاة، أم لا
نجاسة في المسجد ليبقى أمر الصلاة أو إطلاقه، فإذا أجرى البراءة من وجوب
الإزالة فيبقى أمر الصلاة أو إطلاقه بحاله، فهنا ليس البراءة هي المثبتة
لحكم الصلاة، بل إطلاق أمر الصلاة هو المثبت والمقتضي لوجوب الصلاة
والبراءة إنّما رفعت المانع وهو المزاحمة، فهنا تجب الصلاة ولا يقال بأنّ
أصل البراءة لا يثبت حكما.
الصورة الثانية: أن يكون ترتّب الحكم على الإباحة ترتّبا شرعيّا وهو على وجهين أيضا:
الأوّل: أن يترتّب الحكم الإلزامي على الإباحة الواقعيّة، مثلا إذا نذر
أنّه إذا ابيح له التصرّف في مئة دينار إباحة واقعيّة يتصدّق بدرهم، وشكّ
في إباحة هذه المئة له وجواز تصرّفه فيها وعدمه، فالبراءة من وجوب الاجتناب
لا تجدي في ثبوت الحكم الإلزامي إلاّ أنّه لأجل عدم تحقّق موضوع وجوب
التصدّق وهو الإباحة الواقعيّة، والبراءة الجارية إنّما أثبتت الإباحة
الظاهريّة، فعدم الثبوت لعدم الموضوع لا لأنّ البراءة لا يثبت حكما
إلزاميّا.
الثاني: أن يترتّب الحكم الإلزامي على الأعمّ من الإباحة الظاهريّة
والواقعيّة، وهذا إذا جرت البراءة وثبتت الإباحة يتوجّه ويترتّب ذلك الحكم
الإلزامي قطعا.
فقد ظهر أنّ ما ذكره التوني في الشرط الثاني غير تامّ.
هذا تمام الكلام في شرائط الاصول.